مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ
( 84 ) :
جاء في هذه الآية بيان القاعدة الكليّة العامّة للجزاء الرّبّانيّ يوم الدّين ، وهذه القاعدة تشتمل على مادّتين :
المادّة الأولى : دلّت عليها عبارة :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها
: أي :
من أتى ربّه يوم القيامة بالحسنة المقبولة عنده تعالى ، مسجّلة في كتاب أعماله الّذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها ، فله عند ربّه خير منها ثوابا عليها وجزاء حسنا ، وثبت في نصوص أخرى أنّ أدنى ثوابه على الحسنة عشرة أضعافها ، إلى سبعمائة ضعف ، إلى أضعاف كثيرة لا يعلمها إلّا اللّه ، وفهم كون هذا جزاء ، من الجزاء المصرّح به بالنسبة إلى من جاء بالسيّئة .
والمراد بالحسنة ما يكسبه الإنسان بإرادته الحرّة ابتغاء مرضاة ربّه ، من حركة نفسيّة أو فكريّة أو جسديّة ، يقدّم بها طاعة لربّه من ذاته أو ممّا يملكه أو ممّا يختصّ به ، ولو خاطرة فيها نفع وخير يقدّمها في سبيل اللّه وطاعة له ، أو نيّة قلبيّة من وراء إرادة كسب صالح ظاهر أو باطن عمله أو قام مانع من عمله لم تنقض به إرادته .
وكلّ مكسوب إراديّ يدخل في عموم مطلوبات اللّه من عباده في رحلة امتحانهم في الحياة الدنيا ، إلزاما أو ترغيبا وندبا ، ويطلق عليه عنوان « الحسنة » كبيرا كان أم صغيرا ، ظاهرا كان أم خفيّا ، ولو كان في صغره وخفائه ممّا لا يعلمه إلّا اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه .
يقال لغة : « جاء بكذا » أي : أتى به ، ويفهم من القرائن بوضوح أنّه أتى بالمكسوبة الحسنة إلى ربّه في كتاب أعماله يوم الدّين .
لفظ « الحسنة » مؤنث لفظ « الحسن » وهو الشيء الجميل ، ولا يأمر اللّه ولا يرغّب إلّا بالجميل ، وعلى النّقيض تماما ما يأمر به الشيطان أو يرغّب فيه .