الكناية للتّرهيب من عقاب اللّه الشّديد ونقمته ، كما عاقب المفسدين في الأرض من قبله .
قول اللّه عزّ وجلّ حكاية لما ردّ به قارون على نصائح قومه له ، وما أبانه اللّه تبارك وتعالى تعليقا على مقال قارون :
قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ
( 78 ) :
لقد كان ردّ قارون على النّاصحين له من قومه ، موجّها ضدّ قولهم له :
وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ
فقال لهم :
إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي
: أي : لم أملك ما ملكته من أموال ، ولم أحصل على ما حصلت عليه من زينات ، وما أتفاخر به وأتباهى به على قومي ، بعطاء أعطانيه اللّه إحسانا ، بل أوتيته وحصلت عليه ضمن الأنظمة السّببيّة ، الّتي تأتي ثمراتها ونتائجها مبنيّة على أسبابها ، وبناء على علمي بالأسباب ، واتّخاذي لها اتّخاذا حكيما ، ملكت ما ملكته ، وحصلت على ما حصلت عليه ، فلا تقولوا لي بغباء :
وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ
أنتم جاهلون لا تعلمون أسباب اكتساب الأموال وجمعها ، ولا أسباب اكتساب المجد ، والوصول إلى مراتب الرّفعة والعزّة والعلوّ في الأرض .
لقد انتفخ الغرور في صدره ورأسه ، حتّى طمس بصيرته ، فجعله يجحد قضاء اللّه وقدره ، مستبعدا عن ذهنه أنّ اللّه هو مسبّب الأسباب بألطافه وتدابيره الخفيّة ، وغافلا عن أنّ اللّه الّذي آتاه ما هو فيه ، هو القادر على أن يسلبه ما آتاه ، أو يهلكه فيصرفه عن الحياة الدّنيا وعن كلّ ما آتاه فيها ، ويقذف به إلى عذاب الجحيم ، جزاء كفره بربّه .
وجاء البيان الرّبّانيّ الحكيم كاشفا جهل هذا المغرور بذكائه وعلمه بالأسباب ، إذ لم يعتبر بمن أهلكهم اللّه من قبله من كفّار القرون السّابقة ،