خير : له معنيان : الأول : ما كان ذا حقيقة مثلي في النّفع والحسن ، ومحقّقا لسعادة حقيقيّة غير مشوبة بمنغّصات ولا مستتبعة لمؤلمات أو مكدّرات . الثاني : اسم تفضيل على غير قياس ، بمعنى : أفضل في النفع والحسن وتحقيق ما تحبّه النّفوس وتلذّه الحواسّ .
والمعنى الأول أليق بما في الجنّة من نعيم مقيم . والمعنى الثاني يلائم ما يسمّيه الناس خيرا من متاع الحياة الدّنيا ، كالمال .
. . أَ فَلا تَعْقِلُونَ
( 60 ) : استفهام فيه معنى التثريب والتّلويم إلى حدّ التوبيخ ، وهو موجّه للكفرة الّذين يتّبعون أهواءهم وشهواتهم فيؤثرون الفاني الزائل المشوب بالألآم والأكدار ، على الخير العظيم الخالد الخالص من كلّ الشوائب المنغّصة .
أي : انطمست بصائركم فلا تفهمون الفرق بين الفاني المختلط بالمنغّصات ، وبين النعيم الخالد الخالص المصفّى من كلّ الأكدار ؟ ! !
هذا إذا حملنا « تعقلون » على العقل العلميّ . أمّا إذا حملناه على العقل الإرادي ، فالمعنى :
أعجزتم وضعفت إراداتكم ، فلا تستطيعون أن تعقلوا بها أهواءكم وشهواتكم بإراداتكم ، مختارين بها ما يحقّق لكم السّعادة الأبديّة ، ويحميكم من الشقاء الأبديّ في عذاب النّار ؟ ! ! .
كيف تعرّضون نفوسكم لعذاب أبدي وتحرمونها من نعيم أبدي ، من أجل شهوات سريعات الزّوال مشوبات بالمنغصات ، وأهواء تتوهّمون أنّها تجلب لكم خيرا ؟ ! ! .
وعلى قراءة [ أفلا يعقلون ] : يكون الخطاب موجّها للمؤمنين ، بشأن أحوال الكافرين ، ولا يختلف التحليل بالنّسبة إلى العقل العلميّ أو العقل الإراديّ .