يُنْفِقُونَ ( 54 ) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ
( 55 ) :
وعد اللّه عزّ وجلّ المعنيّين بقوله :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ
( 52 ) بأن يؤتيهم أجرهم مرّتين ، أي : ضعفين عن أمثالهم من المؤمنين المسلمين الّذين لم يجمعوا بين إيمان وإسلام صحيحين سابقين قبل بعثة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبين إيمان وإسلام صحيحين بعد بعثته .
وجاء هذا الوعد مبنيّا على سبب يتضمّن تحلّيهم بأربع صفات فضلى من صفات فضلاء المؤمنين المسلمين :
الصّفة الأولى : صفة الصّبر ، دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ :
بِما صَبَرُوا
أي : بسبب صبرهم . « الباء » سببيّة . و « ما » مصدرية ، تؤوّل مع بعدها بمصدر .
ولا يخفى ما يلاقيه مفارقو دينهم من اليهود والنصارى الّذين يسلمون ، من أذى شديد من أسرهم وأهل ملّتهم ، كالحرمان من الرزق ، والقطيعة ، وتوجيه سهام العداء ، وأنواع أخرى شتّى من المصائب ، وهذه تحتاج من المؤمن المسلم الصّادق صبرا عظيما .
الصّفة الثانية : أنّهم يدرؤون بالحسنة السّيّئة ، دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ :
وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ
: أي : ويتخذون الحسنة الّتي يفعلونها ، دريئة تصطدم بها السّيّئة الّتي توجّه لهم ، فيدفعون بذلك الأذى والضّرّ عن أنفسهم . الدّريئة : ما يستتر به الصّياد .
يقال لغة : « درأ فلان درءا » أي : اتّخذ دريئة ، ويقال : « درأ الشّيء ، درءا ودرءة » أي : دفعه . ويقال : « درأ عنه الشيء بكذا » أي : دفعه عنه .
إنّ درأ السّيّئة بالحسنة من أجلّ فضائل الأخلاق الاجتماعية .