تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 422

مساهمون:

ص٤٢٢
فمعنى
لا يَهْدِي
هنا : لا يحكم بالهداية ، لأنّ الحكم لهم بالهداية لا يكون إلّا إذا كانوا في واقع حالهم مهديين ، أما وهم ظالمون ضالّون ، فإنّه ممّا ينافي الحكمة أن يهديهم فيحكم لهم بأنّهم مهديّون ، واللّه جلّ جلاله لا يجري تصاريفه على خلاف مقتضى حكمته ، وهذا من كمال صفاته . قول اللّه عزّ وجلّ :
وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
( 51 )
وَلَقَدْ
: أي : ونؤكّد تأكيدا شديدا أنّنا بصفات الرّبوبيّة .
وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ
: أي : جعلنا القول الذي يشتمل على مطلوبنا من عبادنا في رحلة امتحانهم ، يصل إلى مراكز وعيهم لمعانيه وصولا تامّا ، حتّى امتلكت أذهانهم هذه المعاني امتلاكا كافيا ، رغبة منّافي أن يؤمنوا إيمانا إراديّا ، ويسلموا إسلاما إراديّا صادقا ، ويتذكروا من معاني القول الذي وصّلناه لهم ما تدعو لتذكّره الأحداث والمناسبات والأعمال ما يجب منها فعله ويجب منها تركه ، لينجوا من عذاب الجحيم ، ويظفروا بجنّات النّعيم . يقال لغة : « وصّل فلان الشيء إلى فلان » أي : أنهاه إليه وأبلغه إيّاه . ولكن جاءت التّعدية في الآية بحرف « اللّام » لا بحرف « إلى » للدّلالة على أنّ التّوصيل لمفهومات العقائد الدّينيّة ، وكبريات مطالب اللّه من عباده في رحلة امتحانهم في الحياة الدّنيا ، لم يقتصر على إسماع آذانهم ، بل بلغ إلى عمق مراكز إدراكهم الواعي للمعاني ، حتّى امتلكت أجهزة التّفكير فيهم هذه المعاني ، إذ من معاني اللام الجارّة الملك . والتقدير : وصّلنا إليهم القول ، وأدخلنا معانيه إلى أجهزة التفكير فيهم ، حتّى صارت أشياء مملوكة لها بالتمليك الجبري ، الّذي لا تستطيع
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 422 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني