قويّ وحرص بالغ يريد من عمّه أن يعلن إيمانه وإسلامه ولو سرّا بينه وبينه ، ولو في أذنه ليشهد له بذلك عند ربّه يوم الدّين .
لكنّ أبا طالب لم يحقّق رغبة ابن أخيه محمّد رسول اللّه للناس أجمعين ، ومات ولم يسمع منه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كلمة التوحيد ، فحزن من أجله ، وتمنّى له الهداية لينجيه اللّه يوم الدّين من الخلود في عذاب النار ، فأنزل اللّه عليه هذه الآية .
روى البخاري ومسلم وغيرهما من حديث المسيّب . وروى مسلم وغيره من حديث أبي هريرة : أنّ قول اللّه عزّ وجلّ :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
نزلت في أبي طالب لمّا امتّنع من الإسلام .
عبارة :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
أي : هدايته يمكن حملها على معنيين :
المعنى الأول : إنّك لا تستطيع أن تجعل من أحببت مؤمنا مسلما مهديّا ، بطريقة إلزّميّة جبريّة ، إذ لست خالقا تملك الخلق الجبريّ ، ولست تملك الإلزام القسريّ على الهداية ، لأنّ الإيمان والإسلام من أعمال القلوب وتصرّفات الإرادات الحرّة ، والمطلوب في الدّين هو الإيمان والإسلام بالاختيار الحرّ ، وليس بالإلزام والإكراه ، ومن أعلن إيمانه وإسلامه وهو مكره فإنّه لا يقبل ذلك منه عند ربّه ، ويحاسب على ما في قلبه .
وبمقتضى هذا المعنى تكون عبارة :
وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
دالّة على معنى : أنّ اللّه هو القادر على أن يخلق من يشاء من عباده مجبورا على الهداية ، كما خلق الملائكة الكرام مفطورين على الإيمان بربّهم ، والطاعة له ، ولكنّه لم يضعهم موضع الابتلاء والامتحان .
وإذ وضع اللّه النّاس موضع الابتلاء والامتحان ، الذي يقتضي حرّيّة