أثبتت الآية بيان علوّ فرعون في أرض مصر ، ومن المعلوم أنّ لكلّ ظاهرة في الكون سببا ، فعلوّ فرعون كانت له أسباب اقتضت أن يصل إلى ما وصل إليه من علوّ ، إلّا أنّ ما يتحقّق وجوده بالأسباب مسبوق بقضاء اللّه وقدره ، فاللّه عزّ وجلّ هو الّذي جعل له علوّا في أرض مصر ، ليبلوه ويبلو به .
وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً
: أي : وجعل أهل أرض مصر ، أحزابا متفرّقة ، متعارضة المصالح والأهواء والأفكار .
الشيعة : الفرقة والجماعة الّتي يناصر بعضهم بعضا ، والحزب الواحد ، والجمع « شيع » .
فدلّ هذا البيان على أنّ فرعون قد اتّخذ وسيلة : « فرّق تسد » وهذا التفريق قد كان بجعل شعب مصر ، شيعا متخالفة متعادية ، وأحزابا متصارعة متنافسة فيما بينها .
يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ
:
أي : يعمل على جعل بني إسرائيل الّذين هاجروا إلى أرض مصر منذ أيام يوسف عليه السّلام ضعفاء ، بعد أن كانوا ذوي مكانة رفيعة متميّزة بتمكين يوسف لهم فيها .
دلّ على أنّ المراد بعبارة
يَسْتَضْعِفُ
العمل على جعلهم ضعفاء ، لا قوّة لهم في مصر تمنع عنهم الاستعباد والإذلال والاضطهاد ، عبارة
يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ
لقد كانت هذه عادة فراعنة مصر ، ضدّ الأقليّات الّتي يخشون تكاثرها . وبلوغها مبلغ القوّة المنافسة ، أو المتمرّدة على سلطانهم وجبروتهم .
يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ
: أي : يأمر بتذبيح مواليدهم الذّكور بعد ولادتهم وهم في سنّ الرّضاع ، لئلّا يكبروا فيكثر الرجال القادرون على القتال