فكان من الحكمة في الدّعوة إلى دين اللّه أن يعلن الرّسول تجرّده من آية مصلحة شخصّية يحصل عليها من قومه الّذين يدعوهم إلى دين اللّه .
ولكن لا يلزم من هذا أنّه لا يطلب أجرا مطلقا ، فهذه مثاليّة خياليّة بالنّسبة إلى البشر ، بل الرّسول واثق من أجر عظيم يظفر به عند ربّه ربّ العالمين ، فقال صالح عليه السّلام :
إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ
: أي :
ما أجري الّذي أرجوه إلّا على كفالة ربّ العالمين ، فهو الضّامن له ، وهو وحده الّذي تكفّل به .
أَ تُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ ( 146 ) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 147 ) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ
( 148 ) :
أَ تُتْرَكُونَ
؟ : استفهام تحذيريّ ، يثير صالح عليه السّلام به في نفوسهم وقلوبهم الخوف من عقاب اللّه المعجّل لهم على كفرهم وقبائح أعمالهم ، ومعاصيهم لبارئهم ، فهذه أمور تستدعي بحسب سنّة اللّه في عباده ، أن يسلبهم اللّه ما هم فيه من نعم وافرة ، باطنة وظاهرة .
فمن النّعم الّتي كانوا يستمتعون بها نعمة « الأمن » دلّ عليها قوله لهم :
آمِنِينَ
: أي : أيترك لكم ربّكم نعمة الأمن وأنتم تكفرون به ، وتعبدون من دونه الأوثان ، وتعصونه بالظّلم والعدوان ، والبغي والفجور في الأرض ، ومن سنّته في عباده أن ينزل عقوبته ، ويسلب نعمه عن الّذين تصل خطاياهم إلى مثل الحال الّتي وصلتم إليها .
ومن النّعم الّتي كانوا يستمتعون بها نعمة الجنّات ، وهي الحدائق والبساتين المكتظّة بالأشجار ، ذوات الظلّال والثّمار .
ومن النّعم الّتي كانوا يستمتعون بها نعمة العيون الّتي كان اللّه عزّ وجلّ يفجّرها لهم ، فيشربون منها ماء حسنا ، ويسقون منها أنعامهم وزروعهم .
ومن النّعم الّتي كانوا يستمتعون بها نعمة الزّروع المختلفة ، لهم