الذّهنيّ على أنّهم كذّبوا رسولهم صالحا عليه السّلام ، وكذّبوا برسالته ، وكذّبوا بما جاءهم به عن ربّه ، وأخيرا كذّبوا بإنذاراته .
فكان من الإيجاز البديع الاقتصار على بيان تكذيبهم بإنذارات رسولهم ، لما فيه من دلالة عقليّة على تكذيبهم بما تقتضي دعوات المرسلين بيانه قبل إخبارهم بالإنذارات ، وإذ كذّبوا بإنذارات الرّسول فقد كذّبوا الرّسول لزوما ، وكذّبوا بكلّ ما جاءهم به عن ربّه .
فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ( 24 ) أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ
( 25 ) :
في هاتين الآيتين تلخيص لأربع مقالات قالها كبراء كفّار ثمود ، وردّدتها جماهيرهم التابعون لهم ، معلنين بها استكبارهم عن الاستجابة له .
وجاء عطف مقالاتهم هذه بحرف « الفاء » الّذي يدلّ على الترتيب مع التعقيب ، نظرا إلى أوّل مراحل تكذيبهم لرسولهم ، لا إلى مرحلة تكذيبهم بالنّذر الّتي أنذرهم بها .
المقالة الأولى : دلّت عليها عبارة :
أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ ؟ !
استفهام تعجّبيّ استنكاريّ ، ينمّ عن منتفخ الكبر في صدورهم ، إنّهم يعلنون بهذا رفضهم لاتّباع رسول بشر منهم ، وهو واحد ليس بجماعة . أي : فكيف يتلاءم مع مكانتهم العظيمة في قومهم ، ومنزلتهم الرّفيعة ، أن يتّبعوا بشرا منهم واحدا يزعم لهم أنّه رسول اللّه إليهم .
المقالة الثانية : دلّت عليها عبارة :
إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ :
أي : إنّا إذا اتّبعنا بشرا واحدا من البشر ، فإنّنا حينئذ لنكون منغمسين في ضلال في مسيرتنا في حيواتنا ، وفي جنون في عقولنا وأفكارنا ، وهذا أعظم ما قدّموه من ذريعة ، لتزيين نفرتهم واستنكافهم عن اتّباع رسول ربّهم إليهم .
لَفِي ضَلالٍ :
أي : لفي جهل وضياع .