ما زال المعنيّون بالمعالجة من أئمّة مشركي مكّة عند موقفهم الاستغرابيّ التّعجّبيّ بالنّسبة إلى قضيّة البعث إلى الحياة الأخرى ، فلا يجدون إلّا أن يطلقوا الاستفهام التّعجّبيّ ، دون أن يضيفوا إشكالا أو اعتراضا ، حتّى يعالج بما يلائمه ويدفعه ، ويكشف سقوطه بدليل برهانيّ ، وقد سبق في نجوم التنزيل بيان سقوط هذا الاستنكار التعجّبيّ عدّة مرّات ، بأنّ الخالق الّذي خلقهم في المرّة الأولى هو الّذي وضع في خطّته أن يميتهم ، ثمّ بعد انتهاء ظروف الحياة الدّنيا كلّها ، يخلق ظروف وشروط الحياة الأخرى ، ويبعث الموتى إلى الحياة ، للحساب ، وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء ، فأهل الجنّة يكونون خالدين فيها ، وأصحاب النار الكافرون المجرمون يكونون خالدين فيها .
فعبارتهم :
. . . أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً
( 49 ) هي تكرير في المعنى لما سبق أن قالوه بشأن هذا الموضوع .
الرّفات : الحطام ، والفتات من كلّ ما تكسّر واندقّ .
فجاء التعليم الرّبانيّ للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم فلكلّ داع إلى اللّه عزّ وجلّ من أمّته ، مشتملا على شيء من الحدّة والعنف في الإجابة ، إذ لم يكتفوا في الإجابات السّابقات بنحو :
يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
من سورة ( يس / 36 مصحف / 41 نزول ) .
فجاء هنا في التعليم :
قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ( 50 ) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ . . .
( 51 ) .
فطركم : أي : خلقكم ضمن نظام الفطر ، وهو الشّقّ والفلق ، لأنّ نقطة العمق من كلّ شيء هي العدم ، واللّه هو الموجد من العدم .
المعنى : قل لهم : إنّ تحوّل أجسادكم إلى رفات منبثّ في تراب