تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
هذه الآية تدلّ على بيان تعليميّ من اللّه لرسوله فلكلّ داع إلى اللّه من أمّته ، وفي هذا البيان ذكر عنوانيّ لعناصر الموضوع المطوّل الّذي ينبغي توجيهه للمعنيّين بالمعالجة ولنظرائهم وأشباههم في القرون الآتية . عناصر هذا الموضوع ثلاثة : العنصر الأوّل : حمد اللّه عزّ وجلّ بذكر طائفة من صفاته الجليلة ، والثناء عليه بها ، ومنها علمه المحيط بكلّ شيء ، وقدرته الّتي يخلق بها ما يشاء ، وحكمته الّتي يختار بها الأحكم والأحسن وما هو خير دواما ، وأنّ كلّ ما هو في الكون خلق من خلقه ، وهو ملكه يتصرّف فيه بحكمته على ما يشاء من كلّ أمر حكيم ، فضلا وعدلا . دلّت على هذا العنصر عبارة
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
أي : كلّ الحمد والثناء للّه جلّ جلاله وعظم سلّطانه ، لأنّ كلّ صفات الكمال بلا نقص هي صفاته ، فلا جزئيّة من جزئيّات الحمد إلّا هو مستحقها ، فالحمد كلّه جملة وتفصيلا هو له تبارك وتعالى . العنصر الثاني : أنّ اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه سيري النّاس في الحياة الدّنيا قبل يوم الدّين ، بدليل حرف « السّين » الدّالّ على المستقبل غير البعيد جدّا ، بخلاف « سوف » آيات من آياته الّتي يعرفون أنّها من آيات اللّه الجليلات الدّالّات على أنّ الحمد كلّه للّه وحده ، وأنّ عليهم واجبي الإيمان والإسلام له . أمّا الثناء على العباد بما فيهم من محامد ، فهو تابع لحمد اللّه ، وفرع من فروعه ، إذ هو الخالق والواهب والموفّق ، ومن اختار بإرادته الحرّة فعل عمل محمود ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ هو الّذي يمدّه بالقدرة والتّوفيق والتّسديد والمعونة ، فهو في الحقيقة الخالق له ، فالحمد له . دلّ على هذا العنصر قول اللّه عزّ وجلّ في التعليم لرسوله :
سَيُرِيكُمْ