تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
يمكره أعداؤه ، طلبا للأمن والحماية ، وردّ مكر أعدائه إلى نحورهم . وهذه الأمور الدّاخليّة تشكّل ما يشبه الحزام الضاغط عليه من الدّاخل ، فيشعر بضيق داخليّ يضغط على نفسه ، وقد يصل إلى قلبه ، فإلى عمق فؤاده ، إذ يحسّ بأنّه محاصر من كلّ جانب ، ولا ينفرج عنه هذا الضّيق إلّا إذا أحسّ بالأمن والسّلامة ، واطمأنّ إلى أنّ مكر عدوّه مردود عليه . وأعظم ما يفرغ على النّفس والقلب الأمن والطّمأنينة ، أن يأتيه علم من اللّه الّذي بيده ملكوت السّماوات والأرض ، بأنّه حاميه وحافظه ، وراد عنه مكر عدوّه ، ومحبط كيده . وقول اللّه عزّ وجلّ لرسوله :
وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ
يدلّ بأسلوب الكناية على أنّه حاميه وحافظه وراد عنه كيد أعدائه ، فليكن مطمئنا من أمره ، فاللّه ناصره . هذا التأمين الرّبّانيّ يبعد عن قلبه ونفسه كلّ ضيق مهما كان شديدا ، لأنّه تأمين من عليم حكيم قدير ، لا يعجزه ممكن الإيجاد ، قوله حقّ ووعده صدق ، إذا أراد شيئا فإنما يقول له : كن فيكون . وهذه الوصيّة التأمينيّة قد أوصى اللّه عزّ وجلّ بها رسوله في أوائل العهد المدني ، وهي في النّصّ المدنيّ المضموم إلى سورة ( النّحل ) المكّيّة للإشعار بأنّ أصحاب هذا المكر أعداء مكيّون ، فقد جاء في الآية ( 127 ) منها قول اللّه عزّ وجلّ لرسوله :
. . . وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ
وقرأ ابن كثير : [ في ضيق ] كما قرأ في نظير هذه العبارة في سورة ( النمل ) . ومعلوم أنّ مكر أعدائه المكّيين بعد هجرته إلى المدينة قد كان إعدادا لقتال حربيّ في غزوات ، ولا سيّما بعد أن نزلت بهم قاصمة ظهر ، في غزوة بدر .