جزاء على السيّئات ، أو جزاء على الحسنات ، والسّنوات المعدودات زمن قليل وأجلها قريب ، بالنّسبة إلى إنزال عقاب اللّه عزّ وجلّ بأمّة من الأمم ، أو بالنّسبة إلى نصر اللّه عزّ وجلّ فئة على فئة ، فبعد سنوات معدودات نزل بمشركي مكّة ما يكرهون .
أمّا نحو : « قد قامت الصّلاة » فقرب قيامها فعلا يلائم حالها ، ويعدّ الزّمن بالثواني .
وجاءت عبارة :
بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ
: ملائمة لما في نفوسهم من إنكار الجزاء الرّبّانيّ كلّه ، إذ أغراهم إمهال اللّه لهم على وفق سنّته بعباده ، فتوهّموا أنّ الوعيد بالعقاب الرّبّانيّ لهم إذا أصرّوا على كفرهم وتكذيبهم وعيد كاذب ، فتمادوا فيما هم فيه من كفر ومعاندة للحقّ ، ومعاداة للرّسول ولدعوته ، واضطّهاد لضعفاء المؤمنين .
وكذلك فعل كفّار الأمم من قبلهم ، وكذلك يفعل سائر الكفّار من بعدهم إلى أن تقوم السّاعة .
قول اللّه عزّ وجلّ :
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ
( 73 ) .
دلّت هذه الآية على أنّ إمهال اللّه للكافرين المجرمين من عباده ، داخل في عموم فضله على النّاس جميعا ، فهو لا يتبع جرائمهم بعقوباته ، تفضّلا منه جلّ جلاله عليهم ، ليترك لهم زمنا طويلا يراجعون فيه نفوسهم ، رغبة في أن يتوب منهم من هو مستعد من أعماقه للتّوبة والنّدم والرّجوع إلى الحق ، حتّى إذا وصلوا إلى دركة ميؤوس معها من إيمانهم وإسلامهم عن طريق إراداتهم الحرّة ، أخذهم اللّه أخذ عزيز مقتدر .
ولكن مع هذا التّفضّل من اللّه على الناس ، ومنه التّفضّل الإمهاليّ للعصاة والمجرمين ، فإنّ أكثر النّاس لا يقابلون تفضّل اللّه عليهم بالشّكر ،