تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
فأوصى اللّه المؤمنين إذا تمكّنوا من أعدائهم وظفروا بهم أن يكونوا عادلين ، فيعاقبوا بمثل ما عوقبوا به دون زيادة ، ورغّبهم بأن يصبروا فلا يعاقبوا ، ليقدّموا أحسن الأمثلة عن معاملة المؤمنين المسلمين لظالميهم ، وفي هذا دعوة عمليّة صامتة للدّخول في الإسلام . ويظهر أنّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم قد مسّ نفسه شيء من الحزن ، من أجل الّذين قتلوا وهم كافرون في بدر ، من عقلاء قومه ، وذوي الحكمة ، والرّأي فيهم ، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم شديد الرّغبة في أن يكونوا مؤمنين مسلمين ليعزّ اللّه بهم الإسلام ، فقال اللّه عزّ وجلّ له :
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ
: أي : لو كان في قلوبهم خير كما تظّنّ فيهم ، لألهمهم ربّك الرّشد ، ولآمنوا وأسلموا ولو قبيل أن يقتلوا . ودلّت عبارة :
وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ
على أنه ما زال في مكة بعد معركة بدر أعداء يمكرون مكرا شديدا ، لكنّ اللّه عزّ وجلّ متولّيه وناصره . وقد ظهر مكرهم هذا في غزوة أحد ، ثم في غزوة الأحزاب . ( 8 ) ثمّ أنزل اللّه عزّ وجلّ في أوائل العهد المدنيّ قوله في سورة ( آل عمران / 3 مصحف / 89 نزول ) .
وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً . . .
( 176 ) . والّذي أراه أنّ هذا النّصّ نزل في المنافقين الّذين كانوا يتظاهرون بأنّهم مؤمنون مسلمون ، إلّا أنّ أعمالهم كانت تدلّ على أنّهم يسارعون في سبل الكفر ، لا أنّهم مجرّد عصاة . سارع في كذا : أي : أسرع بهمّة ونشاط . وسلوك هذا الصّنف من الناس يحزن الرّسول والصّادقين من المؤمنين ، لأنّه يحدث خللا في صفوفهم ، وتوجّسا من تعاظم نوامي الشرّ والفساد في جماعتهم .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 161 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني