أي : فلا تجعل نفسك ( المراد بها هنا الرّوح ) تذهب من جسدك بالموت ، بسبب توالي الحسرات وشدّة الأحزان فيها من أجل الّذين اختاروا لأنفسهم الكفر بما أوجب ربّهم عليهم من إيمان وعمل صالح يرضيه ، دون أن تكفّها بالتّسليم التّامّ للّه في تدبيرات كونه ، والتّسليم التّامّ لحكمته في قدره وقضائه وتصاريفه في عباده .
وقد سبق تدبّر هذه الآية في موضعها من سورة ( فاطر ) .
ونلاحظ في هذه الآية أنّ اللّه عزّ وجلّ أوصى رسوله بأن لا يحزن حزنا شديدا مميتا بحسب نظام الأسباب والمسبّبات ، ومعلوم أنّ النهي عن الحزن القاتل لا يتضمّن النّهي عن الحزن غير القاتل .
( 2 ) ثم أنزل اللّه عزّ وجلّ عليه قوله في سورة ( الشعراء / 26 مصحف / 47 نزول ) :
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
( 3 ) .
فأوصى اللّه عزّ وجلّ رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية بأسلوب لا نهي فيه ، ولكن فيه رائحة الاستفهام العتابي ، مع التوجيه المشدّد أن لا يحزن من أجل خوفه ألّا يكونوا مؤمنين .
والمعنى : ألا تشفق على نفسك يا محمّد ، من أن تعرّضها دون شعور منك لقتل سريع بسبب الهمّ والغمّ والحزن ، من أجل قوم لم يشفقوا على أنفسهم من عذاب ربّهم الّذي أوعدهم به ؟ !
ويظهر أنّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم قد خفّف من حزنه عليهم ، طاعة لربّه في الوصيّة الّتي جاءت في سورة ( فاطر ) إلّا أنّ حزنه ما زال شديدا يعاوده آنا فآنا بشدّة ، إلّا أنّ آية ( الشعراء ) لم تنه عن كلّ الحزن أيضا ، بل عن شديده القاتل احتمالا قتلا سريعا .