بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها
: أي : بل هم على الرّغم من تتابع هذا العلم ، منغمسون في أوحال شك منفّر من الآخرة ، صارف لهم عن الإيمان بها ، يستمسكون بخيوط عنكبوتيّة من الشّكّ ، ولا يعبؤون بما لديهم من حبال متينة من العلم الواصل إليهم من جهات متعدّدات .
والّذي ينفّرهم من الإيمان بالآخرة ، تعلّقهم بزينات الحياة الدّنيا ، وما لهم فيها من شهوات وأهواء .
بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ
: أي : بل هم من نفورهم من الآخرة ، تعلّقا بزينات الحياة الدّنيا وأهوائهم وشهواتهم الّتي تتحقّق لهم فيها ، عمون عن الحقيقة لا يدركونها ببصائر سليمة الرّؤية .
عَمُونَ
: جمع « عم » بمعنى « أعمى » أي : هم عمون عن رؤية الحقّ ، والاهتداء بآياته ودلائله ، وعمون عن رؤية أنوار آيات اللّه البيانيّة والفكريّة والوجدانية والكونيّة .
والعمى أنواع ، فمنه ما هو في البصر الظّاهر ، ومنه ما هو في القلوب والبصائر ، وهكذا كان أئمّة وكبراء كفّار قريش .
« من » في عبارة :
مِنْها
متعلّقة بمحذوف مقدّر ، وتقديره فيما ظهر لي :
بَلْ هُمْ
لنفورهم
مِنْها عَمُونَ
أي : لأجل نفورهم منها عمون ، وآثرت تقدير كلمة « النّفور » لاستعمالها بشأنهم في سورة ( الفرقان / 25 مصحف / 42 نزول ) في قول اللّه عزّ وجلّ :
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً
( 60 ) .
يقال لغة : « نفر من الشّيء » ، أي : أعرض ، وصدّ ، وابتعد مدبرا ، كحالة المذعور الشّارد ، أو المتمنّع المتراجع بحران .