بأكاذيبهم يصرفون من يتأثّر بهم عن الحقّ والخير والهدى ، وهم فاسدون كالشّياطين الّتي تتنزّل عليهم .
وسبق لدى تدبّر هذه الآيات بيان ما يتعلّق بالكهانة والكهّان ، وتلقّيهم عن شياطين الجنّ ، وكيف أنّ الشيطان منهم قد يلتقط خبرا بكلمة يسمعها من بعض الملائكة ، فيلقيها إلى من تحته ، ثمّ يلقيها الآخر إلى من تحته حتّى يلقيها على لسان السّاحر أو الكاهن ، فيكذب هذا معها للنّاس مئة كذبة ، أخذا ممّا صحّ عن الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم .
وصلة بهذا البيان الّذي جاء في سورة ( الشعراء ) واستكمالا له ، جاء هنا في سورة ( النّمل ) تعليم من اللّه عزّ وجلّ لرسوله ، فلكلّ داع إلى اللّه من أمّته ، أن يقول للّذين يعتقدون أنّ الكهّان يعلمون الغيب : لا يعلم الغيب جميع من لديهم استعداد لعلم ما ، في السّماوات والأرض ، إلّا اللّه عزّ وجلّ وحده ، أي : وهو بحكمته يعلم من يشاء من عباده ، ما يشاء إعلامهم به من علوم ومعارف غيبيّة . لفظ
مَنْ
اسم موصول يشمل كلّ ذي علم ، وأطلق على اللّه عزّ وجلّ .
والمراد بالغيب هنا ما لم يجعل اللّه لعباده وسائل لإدراكه بحواسّهم الظّاهرة أو الباطنة ، أو لإدراكه بالاستنتاج العقليّ من المدركات الحسيّة .
ومن هذا الغيب ما جاء بيانه في قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( لقمان / 31 مصحف / 57 نزول ) :
. . . وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
( 34 ) .
ومن الغيب الّذي لم يطلع اللّه عليه أحدا من عباده بمن فيهم الملأ الأعلى من الملائكة ، زمن البعث إلى الحياة الأخرى ، فقال اللّه عزّ وجلّ في آخر الآية ( 65 ) الموضوعة للتّدبّر من سورة ( النمل ) :