وجاءهم علم مماثل عن اليهود الّذين كانوا يلتقونهم ، وجاءهم علم مماثل أيضا عن النّصارى .
فلم يأتهم محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم بعلم جديد في موضوع الآخرة ، لم يكن لهم به علم سابق ، بل تلاحق وتتابع علمهم به ، فالتقى موروثهم مع عقائد أهل الكتاب في هذا الأمر على نبإ واحد .
فلماذا يستبعدون ويستغربون ويشكّون ؟ ؟ !
يقال لغة : « ادّارك القوم ، وتداركوا ، وادّركوا » أي : تلاحقوا وتتابعوا حتّى لحق آخرهم أوّلهم ، فتلاقوا في مكان واحد .
وكذلك الأنباء في موضوع الآخرة وإن اختلفت بعض التفاصيل ، قد تلاحقت وتتابعت مؤكّدة ، قانون الجزاء الرّبّانيّ على كسب الإنسان في رحلة الحياة الدّنيا ، فليس أمر الآخرة نبأ جديدا عليهم .
وقراءة : [ أدرك ] تدلّ على أنّ علمهم قد أدرك معرفة ما في أمر الآخرة ، وهذه القراءة تدلّ على أنّ بعضهم قد بلغه هذا العلم دون تلاحق وتتابع ، أما قراءة : [ ادّارك ] فتدلّ على أنّ فريقا آخر منهم قد وصلهم هذا العلم بتلاحق وتتابع : « أدرك الشيء » ، أي : بلغه وناله .
وجاءت التعدية بحرف « في » في عبارة
فِي الْآخِرَةِ
وكان الظّاهر استعمال حرف الباء ، للدّلالة على أنّ علمهم بالآخرة ليس علما مستوفيا كلّ العناصر الّتي يجب الإيمان بها ، والمطابقة للحقّ ، بل هو علم ما داخل في عموم نبإ الآخرة ، وهذا دالّ على قانون الجزاء الرّبّاني ، ووجود آخرة يتحقّق فيها هذا الجزاء .
فالعبارة على تقدير : بل تلاحق وتتابع علمهم بحقيقة كلّيّة داخلة في عموم أمر الآخرة ، لا مطابقة لخصوص أجزاء ما يكون فيها ، وأوّل هذه الحقائق قانون الجزاء الرّبّاني في آخرة غير الحياة الدّنيا .