تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
؟ صيغة السّؤال مماثلة تماما لما جاء في المراحل السّابقة ، والتّحليل الّذي سبق ينطبق هنا ، ولا حاجة إلى الإعادة للقرب . لا أحد يدّعي أو يدّعي له ، أنّه هو الّذي يبدأ خلق المخلوقات ، سواء أكانت أحياء ، أم نباتات ، أم غير ذلك ، غير اللّه الخالق الرّبّ الّغيبيّ عن الإدراكات الحسّيّة ، والّذي هو معلوم الوجود بالبراهين العقليّة ، وتدرك العقول طائفة من صفاته الجليلة استنباطا من آثاره في كونه . إنّ ظاهرة بدء الخلق ظاهرة متكرّرة في الأحياء ذوات الحركة الإراديّة والإدراكات على مقاديرها ، وظاهرة متكرّرة في النّباتات على اختلاف أنواعها وأصنافها وصفاتها ، ولهذا جاء في البيان استعمال الفعل المضارع [ يبدؤ ] . والقادر على بدء الخلق المشاهد بتكرار ، لا بدّ أن يكون قادرا على إعادة ما كان قد خلق بعد إفنائه له ، والبرهان العقليّ في هذا كاف لإثبات هذه الحقيقة ، فجاء في السّؤال التّعليميّ قول اللّه عزّ وجلّ :
ثُمَّ يُعِيدُهُ
توطئة لما سيأتي من إقناع ، حول نبأ الآخرة الّذي يجحده الّذين كفروا لمجرّد الاستبعاد والاستغراب . والسّؤال عن بدء الخلق يجرّ إلى استعراض بحوث علميّة واسعة ومستفيضة عن نشأة الأكوان ، ونشأة الأحياء ، ونشأة الإنسان ، وهي تهدي بما فيها من إتقان عجيب إلى أنّ لهذا الكون كلّه خالقا عظيما واحدا أحدا لا شريك له ، له كلّ صفات الكمال ، وهو منزّه عن كلّ صفات النقصان . وعندئذ فقد يندفع العاقل المنصف الرّشيد من المقصودين بالمناظرة ، إلى الاعتراف بأنّ الّذي يبدؤ الخلق وهو القدير إلى إعادته ، هو اللّه الذي لا ربّ غيره ، وعندئذ يقول له المناظر المؤمن الدّاعي إلى اللّه : [ أإله مع اللّه ] ؟ ! !