سبق أن أفردت لتدبّرها ملحقا خاصّا من ملاحق تدبّر سورة ( المرسلات ) « 1 » .
بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
: أي : إعلاما سارّا بمقدم غيث تسوقه أوامر اللّه عزّ وجلّ الّتي هي من آثار رحمته .
وتحليل هذه العبارة يشعر بأنّ التّبشير يأتي سابقا وواقعا بين المبشّرين وبين يدي رحمة اللّه .
أطلق على الغيث لفظ « الرّحمة » لأنّه أثر من آثارها ، فهو مجاز مرسل من إطلاق السّبب وإرادة المسبّب ، وجعل لهذه الرّحمة يدان تجود بهما ، إمّا على سبيل الاستعارة ، أو هما من صفات رحمة اللّه على مراده جلّ جلاله وعظم سلطانه .
وعلى قراءات : [ نشرا ، ونشرا ، ونشرا ] فالمعنى : يرسل الرّياح ناشرة ما يدلّ ذوي الحسّ والفكر على أنّ الغيث من رحمة اللّه قادم بعد هبوبها ، وهذا من عناية اللّه بعباده .
ما بين يدي المخلوق إذا كان زمانيّا فالمراد به ما مضى ، وإذا كان مكانيّا فالمراد به ما يقع إلى جهة وجهه وصدره « 2 » .
إنّ طرح هذين السّؤالين ، وبيان ما يستتبعان من بحوث علميّة توصّل إليها العلماء الكونيّون ، ممّا يدفع العاقل المنصف الرّشيد إلى أن يعلن اعترافه بأنّ الهادي الحقّ في ظلمات البرّ والبحر والجوّ ، وأنّ مرسل الرّياح بشرا بين يدي رحمته هو الخالق الرّبّ اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه .
عندئذ يقول له المناظر المؤمن الدّاعي إلى اللّه :
أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ
؟
هامش
( 1 ) انظر الملحق الثاني من ملاحق تدبّر سورة ( المرسلات ) المجلد الثاني . الصفحات من ( 621 - 664 ) .
( 2 ) انظر القاعدة ( 36 ) من كتاب « قواعد التدبّر الأمثل لكتاب اللّه عزّ وجلّ » للمؤلف .