عندئذ يتسنّى للمناظر المؤمن الدّاعي إلى اللّه أن يقول بأسلوب المستفهم استفهاما تعجّبيا إنكاريا :
أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ
؟ ! !
وفي نهاية هذا التعليم أبان اللّه عزّ وجلّ للدّاعي المؤمن أنّ المشركين يعدلون عن الحقّ إلى الباطل ، ويجعلون للّه ممّا خلق معادلا مكافئا ، في الرّبوبيّة أو في العبادة ، فقال تعالى :
بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ
.
يقال لغة : « عدل يعدل عن الصراط » أي : حاد عنه وخرج عن حدوده . ويقال لغة : « عدل الشيء بالشّيء » أي : سوّاه به ، وجعله مثله ، وهذا قد يكون ادّعاء كاذبا ، أو اعتقادا باطلا .
فالمعنى : ليس المشركون على شيء من الحقّ ، بل هم يعدلون عن الحقّ إلى الباطل ، ويفترون على اللّه فيتّخذون له شريكا معادلا له في صفات ربوبيّته أو بعضها ، فمعادلا له في إلهيّته .
المرحلة الثانية من مراحل المناظرة
قال اللّه عزّ وجلّ :
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
( 61 ) ،
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً
طرح السّؤال في هذا التّعليم نظير طرح السّؤال في التّعليم السّابق . أي : « أم » المنقطعة وهي بمعنى « بل » للإضراب . و « من » اسم استفهام وهو مبتدأ ، وما بعده خبر وهو جملة :
جعل الأرض قرارا .
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً
: أي : بل من هذا العظيم المتقن الحكيم القدير ، الّذي جعل الأرض بعد أن فصلها ممّا كانت عليه رتقا مع غيرها من أجرام السّماء ، كوكبا قرارا مطمئنا لا اضطراب فيه ولا