إنّ الحاكم العادل يمكر ، ومكره لا يكون إلّا خيرا ، إنّه قد يمكر بالمجرمين حتّى يقبض عليهم لإقامة العدل . والمسلم الملتزم بأحكام وشرائع الدّين يمكر ، ومكره يكون خيرا يبتغي به رضوان اللّه والجنّة .
واللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه يمكر ، ومكره هو خير دواما ، وهو خير الماكرين .
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
: أي : وهم لا يعلمون أقلّ علم بتدبير اللّه عزّ وجلّ .
دلّ هذا البيان على أنّ أشقياء ثمود دبّروا في الخفاء قتل صالح عليه السّلام وأهله معه ليلا ، واتّفقوا على هذا مع كبراء كفّار قومهم ، وكتموا الأمر ، وعيّنوا ليلة لتنفيذ ما مكروه .
إلّا أنّ اللّه عزّ وجلّ مكر مكرا آخر بهم في الخفاء ، دون أيّ شعور منهم ، إذ قضى بإهلال الأشقياء وإهلال جميع كفّار ثمود قبل الموعد الّذي قرّر الأشقياء قتل صالح وأهله فيه ، غيلة وبياتا .
وأنفذ اللّه عزّ وجلّ تدبيره ، وأنزل بالأشقياء وبسائر كفّار قومهم ، وسائل تعذيبهم وإهلاكهم ، وتدمير مساكنهم عليهم .
ووجّه العظة لكلّ من يتلقّى هذا البيان بخطاب إفرادي ، قائلا له :
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ
: أي : فانظر أيّها المتلقّي المستعدّ للاتّعاظ متفكّرا ، الحالة الّتي وجدت عليها عاقبة كفّار ثمود عقابا لهم على كفرهم ، وما كان منهم من مكر .
أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ
: المصدر المؤوّل من « أنّ » ، وما بعدها بدل من
عاقِبَةُ
: أي : فانظر كيف كان تدميرنا الأشقياء التّسعة وكفّار قومهم أجمعين .