أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ
( 225 ) : أي : استقرئ أيّها المتفكّر الباحث إذا كنت لا تعلم ، أحوال معظم الشّعراء ، فإنّك ستجدهم في الأودية يهيمون ، وقلّما يصعدون في اتّجاه الذّروات .
يَهِيمُونَ :
أي : يسيرون في حياتهم على غير خطّة سابقة ، وعلى غير هدى واضح المعالم ، بيّن المسالك ، بل تسيّرهم أهواؤهم وشهواتهم ورغباتهم آنا فآنا ، دون أن يعلموا غاية يسعون لتحقيقها .
يقال لغة : « هام فلان يهيم هيما ، وهيمانا » ، أي : خرج على وجهه في الأرض لا يدري أين يتوجّه ، فهو يذهب كلّ مذهب ، متحيّرا مضطربا لا خطّة له في اتّجاهه .
الوادي : كلّ منفرج بين الجبال والتّلال والآكام .
والمراد هيمان الأهواء والشّهوات والأفكار والأعمال ، والمراد بالوديان مجالات أنشطتهم العمليّة والحركيّة في الحياة ، إذ هم لا يختارون معالي الكمالات والفضائل ، مثل كمالات المعرفة ، والأعمال الّتي فيها نفع وخير عام ، ومثل الدّعوة إلى سبيل اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة ، والمشاركة في الجهاد في سبيل اللّه ، ومثل تربية الأجيال على الفضائل ، بل يتعلّقون بالتّرّهات ، وسفاسف الأمور ، فيضيّعون أعمارهم بالمديح لاستجداء العطايا ، أو بهجاء الّذين لم يغدقوا عليهم عطاياهم ، أو بالتفاخر الكاذب ، أو بالذّم الظّالم ، أو بالتّغزّل بالعفيفات الشّريفات ، أو بوصف العشق اللّاهب ، والبكاء الصّاخب ، أو بالتّزلّف الكاذب ، إلى غير هذه الأمور ممّا ليس فيه ذروة جبل ، أو تلّة ، أو أكمة ، بل كلّها حضيض منحطّ في الوديان ، أو قريب منه .
أَ لَمْ تَرَ
استفهام عن نفي العلم ، للتّقرير بالعلم ، أو للإعلام بالحقيقة . والمخاطب كلّ متلقّ صالح للخطاب .