وصل هؤلاء إلى دركة ميؤوس معها أن يؤمنوا عن طريق إراداتهم الحرّة ، وأنّ حالتهم يناسبها توجيه الإنذار الختاميّ لهم ، فقد عالجهم اللّه ورسوله بكلّ مراحل العلاج البياني ، مع شيء من علاجهم بالبأساء والضّرّاء ، وفق سنّة اللّه في الأمم ، فلم يستجيبوا لدعوة الحقّ .
والمعنى : فوجّه إندارك الختاميّ للمعنيّين بالمعالجة في هذه السّورة ، وابدأ بإنذار عشيرتك الأقربين منهم ، لأنّ البدء بهم يدلّ الآخرين على أنّك متجرّد في دعوتك من عواطفك نحو الأقربين من عشيرتك ، إذ إنّك تبدأ بهم في توجيه الإنذار الختاميّ لهم ، بأنّهم قد عرّضوا أنفسهم لانتقام اللّه منهم بإنزال العذاب المهلك لهم ، وتفعل هذا طاعة لربّك ، وابتغاء مرضاته .
هذا الفهم هو الّذي يدلّ عليه السّباق والسّياق في السّورة .
ولكن يشكل معه ما جاء في صحيح البخاريّ عن ابن عباس أنّ آية :
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
( 214 ) وتطبيق الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم لها بإنذار عشيرته الأقربين ، قد نتج عنه قول أبي لهب للرّسول : تبّا لك سائر اليوم ، ألهذا جمعتنا ؟ ! فنزلت سورة
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ
( 1 ) ، وهي فيما ذكروا السّورة السّادسة من التّنزيل المكّي ، وترتيب سورة ( الشّعراء ) عند علماء علوم القرآن ( 47 ) وليس في هذه السّورة ما يشعر بأنّها من أوائل التّنزيل المكيّ .
والحلّ أنّ آية :
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
( 214 ) قد نزلت على الرّسول تكليفا قبل نزول سورة ( المسد ) فأدّى الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ما جاء فيها تبليغا وإنذارا أوّليّا ، ثمّ نزلت في سورة ( الشعراء ) ليقدّم لعشيرته الإنذار الأخير ، بعد وصولهم إلى دركة ميؤوس معها من إيمانهم عن طريق إراداتهم الحرّة « 1 » .
هامش
( 1 ) فتح اللّه عليّ بهذا الفهم ، مستفيدا ممّا ذكره الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره للآية في سورة ( الشعراء ) مع مخالفة له في بعض الرأي .