تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 721

مساهمون:

ص٧٢١
اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
( 215 ) : وهذا التّوجيه ينسحب أيضا على الدّعاة إلى اللّه من أمّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعلى أئمّة المتّقين الّذين يهتدي بهم المؤمنون علما وعملا . والمراد بخفض الجناح للمؤمنين ، التّواضع لهم ، والرّحمة الملتصقة بهم ، والحنوّ عليهم ، وضمّ أفرادهم كأنّهم أسرة واحدة ، والهيمنة عليهم . هكذا يخفض الطائر الحاني جناحه على فراخه تواضعا ، وحنوّا ، ورحمة ، وضمّا ، وهيمنة . وقيد :
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
يشعر بأنّ من يتّبعك من المنافقين لا يستحقّون أن تخفض جناحك لهم . هذه العبارة :
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
( 215 ) هي من التشبيه المكنيّ ( وهو تشبيه مضمر لم يذكر فيه لفظ المشبّه به ، وإنّما ذكر فيه بعض صفاته ، أو بعض خصائصه ، أو بعض لوازمه ) وأصله تشبيه بليغ « 1 » . ففي هذه العبارة تشبيه التواضع والرّحمة وضمّ الأفراد والهيمنة عليهم من قبل الإمام لمن اتّبعه ، بخفض الطّائر جناحه منكسرا لفراخه ، ولكن أضمر التّشبيه ، فلم يذكر لفظ المشبّه به ، وإنّما كنّي عنه بشيء من صفاته وهو الجناح . فالمعنى : لتكن في تواضعك ورحمتك وحنوّك وهيمنتك كطائر يخفض جناحه لفراخه ، فحذفت أوّلا أداة التشبيه ، فصار تشبيها بليغا ، ثمّ حذف لفظ المشبّه به ، ورمز إليه بشيء من صفاته ، وهو الجناح ، الّذي يخفضه الطائر لفراخه تذلّلا ورحمة وحنوّا .
هامش
( 1 ) اعتبار هذا المثال ونظيره من التشبيه المكني ، هو ما ترجّح لديّ في كتابي : « البلاغة العربيّة » ، ويجعله كثير من الباحثين والكاتبين من الاستعارة التخييليّة المكنيّة ، بسبب عدم فرز قسم التشبيه المكنيّ عن التشبيه البليغ . انظر : « التشبيه المكني » في الصفحات من ( 204 - 208 ) منه .