مع دعائك اللّه معذّبا من المعذّبين المشركين ، لأنّك بدعائك إلها آخر تكون مشركا من المشركين ، أي : بعبادتك إلها آخر .
خاطب اللّه رسوله بهذا الخطاب ، مع أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما كان ، ولا هو كائن عند الخطاب ، ولن يكون مستقبلا من المشركين الّذين يدعون ويعبدون مع اللّه إلها آخر ، إذ هو معصوم عن كلّ معاصي مرتبة المتّقين بعصمة اللّه له ، ليعلم الكافرون ، وليعلم المؤمنون ولا سيما الدّعاة إلى اللّه منهم ، أنّ الرّسول مخاطب بعقائد الإيمان وبشرائع الإسلام وأحكامه بوصفه أوّل مخاطب بها ، فلا إعفاء له باعتباره رسولا مفضّلا مختارا ، بل يجب عليه أن يكون أوّل المؤمنين ، وأوّل المسلمين ، والأسوة الحسنة لكلّ المكلّفين .
وإذا كان رسول اللّه وحبيبه المصطفى غير معفيّ من أن يكون معذّبا من المعذّبين ، لو أنّه أشرك فدعا مع اللّه إلها آخر ، فكيف يكون حال من دونه من المنهيّين عن أن يشركوا باللّه شيئا ، أو يدعو مع اللّه إلها معبودا آخر .
فَلا تَدْعُ :
أصل معنى الدّعاء ، النّداء ، والطّلب ، والدّعاء للّه من أجلّ أنواع عبادته ، وحمل الدّعاء معنى العبادة بوجه عامّ في الاستعمال .
فالمعنى : فلا تعبد مع اللّه إلها آخر .
القضيّة الثّانية : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ لرسوله :
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
( 214 ) : وهذا ينسحب على كلّ داع إلى اللّه من أمّته .
هذه الآية تكشف أنّ الّذين حزن الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم من أجلهم وحمل همّ الخوف عليهم أن لا يؤمنوا مستقبلا ، فيكونوا من الخالدين في عذاب النّار يوم الدّين ، والّذين قال اللّه له بشأنهم في أوائل هذه السّورة :
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
( 3 ) ، قد كانت عشيرته الأقربون من أكثر الّذين كان يعاني الحزن والهمّ من أجلهم ، خوف أن لا يكونوا مؤمنين ، وإذ قد