قول اللّه عزّ وجلّ بشأن القرآن ، ردّا على افتراء كبراء كفّار قريش ، بأنّ القرآن يوحي به إلى محمّد رئيّ من شياطين الجنّ ، كما يوحي القرين منهم للشّاعر أجمل شعره :
وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ( 210 ) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ ( 211 ) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ
( 212 ) :
في هذه الآيات الثّلاث بيان أربع قضايا لدفع مزاعم أئمّة التّضليل من كبراء كفّار قريش ، المعنيّين بالمعالجة في السّورة :
القضيّة الأولى : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ :
وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ
( 210 ) : أي : وما تنزّلت بالقرآن الشّياطين على محمّد ، إذ دلالات آيات القرآن الدّينيّة المشتملة على الحقّ والخير وفضائل السّلوك الفرديّ والاجتماعي ، والمشتمل على الجزاء الثوابيّ بفضل اللّه للمؤمنين الّذين يعملون الصّالحات ، والجزاء العقابيّ بعدل اللّه للكفرة والجاحدين والآثمين بفعل السّيّئات ، تتنافى تنافيا كلّيّا مع أهداف الشّياطين القائمة على الإغواء والتّضليل عن الحقّ وصراط اللّه المستقيم .
فبين أهداف الشّياطين ومسالكهم ، وما اشتمل عليه القرآن ، تباين التضادّ والتناقض ، فالقرآن لا تتنزّل به الشّياطين .
إنّ الشياطين إذا أوحت شيئا إلى قرنائهم من البشر ، فإنّها توحي بالكفر باللّه ، وبجحود الحقّ ، وبإنكار الجزاء ، وبالتّكذيب بيوم الدّين ، وبنشر كلّ رذيلة ، وبمحاربة كلّ فضيلة ، وتزيّن كلّ ذلك بزخرف من القول ، للإيهام بصحّة ما توحي به وتدعو إليه .
وأمّا غير الشّياطين من الجنّ ، فإذا كانوا مؤمنين ، فإنّهم يخافون عذاب اللّه فلا يفترون عليه ، وإذا كانوا أصحاب أديان ومذاهب منافية للإسلام ، فإذا شاء بعضهم أن يوحي إلى بشر بشيء فإنّه يوحي بما يؤيّد دينه أو مذهبه ، ولا يوحي بما يضادّه أو يناقضه .