وتحليل الآية كما يلي : وما أهلكنا من أهل قرية في تاريخ الناس ، في حال من الأحوال ، إلّا في حال أنّه قد كان لهم منذرون قد أنذروهم عذاب ربّهم المهلك ، فتمرّدوا وعاندوا واستكبروا فعذّبوا وأهلكوا ، إذ استحقّوا ذلك بمقتضى الحكمة .
« من » في
مِنْ قَرْيَةٍ
زيدت لتأكيد العموم والتّنصيص عليه .
إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ :
استثناء من عموم الأحوال .
ذِكْرى :
تأتي هذه الكلمة للدّلالة على ثلاثة معان :
المعنى الأول : الذّكرى : اسم للتّذكير . أي : يأتي في القرآن تكرير بيان إهلاك الكفرة المجرمين السّابقين ، بعد إنذار رسلهم لهم بالإهلاك ، إذا أصرّوا على كفرهم وعنادهم وجحودهم ، تذكيرا بهذه السّنّة من سنن اللّه في عباده .
المعنى الثاني : الذّكرى : اسم للتّذكرة . أي : نضع أمام النّاس أمثلة إهلاكنا المجرمين السّابقين ، لتكون بمثابة بطاقة مذكّرة ، أو أيّة وسيلة مذكّرة كالرّتيمة ، تذكّر بسنّتنا في عبادنا المجرمين .
المعنى الثالث : الذّكرى : اسم لتّذكّر . وهذا المعنى مستبعد هنا فيما أرى .
وَما كُنَّا ظالِمِينَ :
أي : وما كنّا بإهلاكنا المجرمين من أهل القرى السّابقين ظالمين ، بل كنّا عادلين نتصرّف بكمال الحكمة .
وفي هذا إلماح إلى أنّ إهلاك اللّه عزّ وجلّ لأمثال الأوّلين ، من المجرمين الآخرين تحقيقا لسنّته في عباده ، لن يكون فيه ظالما ، بل يكون فيه عادلا يتصرّف في عباده بكمال حكمته .
فليتوقّع المجرمون من الآخرين تحقيق سنّتنا فيهم ، مهما علوا في الأرض ، وكانوا فيها ذوي قوى قاهرة ، ومهما كانوا فيها جبّارين .
* * *