وإيراد القراءتين يدلّ على أنّ موسى عليه السّلام عبّر بالعبارتين ، إحداهما أبان فيها ما يعلم من نفسه بحسب العادة ، والأخرى أبان فيها تخوّفه من أن تتحكّم به صفته المعتادة .
التدبّر التحليلي :
قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ
( 12 ) : أي : قال موسى عليه السّلام : ربّ إنّي أخاف أن يكذّبوني في أنّي رسول ربّ العالمين ، أي :
وإذا كذّبوا برسالتي وبما جئتهم به ، فإنّهم قد ينكّلون بي ، إذ إنّي أعلم أنّهم جبابرة ، ذوو سلطان استبداديّ جائر ظالم .
وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي :
أي : وأنا أعرف من طبعي أنّ صدري يضيق « 1 » ، فلا أتحمّل المناظرات والمجادلات ، فأخشى أن أتّصرف تصرّفات قوليّة أو عمليّة تعرّضني للهلاك . وأعرف أنّ في لساني حبسة تمنعه من أن ينطلق مندفعا بقوة وسرعة في البيان ، فيتّخذ القوم هذه الحبسة متّكأ للتّهكّم بي والسّخرية مني ، وقد استغلّها فرعون في بعض خطبه لقومه إذ قال كما ذكر اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الزّخرف / 43 مصحف / 63 نزول ) بقوله :
[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 51 إلى 53 ]
وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 51 ) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ ( 52 ) فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ( 53 )
وسأل موسى عليه السّلام ربّه أن يرسل إلى أخيه هارون وزيرا له ، وشريكا له في رسالته ، ويشدّ به أزره ، فقال كما جاء في هذا النّصّ الذي
هامش
( 1 ) ضيق الصّدر : كناية عن سرعة الانفعال بالمثيرات ، كمثيرات الغضب ، ومثيرات الحزن ، ونحو ذلك .