تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 573

مساهمون:

ص٥٧٣
أمّا بالنسبة إلى الشّرح اللّغويّ فالعبارة على تقدير : فسيأتيهم واقع أنباء ما كانوا به يكذّبون ويستهزئون من وعيد . ودلّ قول اللّه لرسوله بشأن من يحزن من أجلهم حزنا شديدا ، قاتلا بحسب نظام الأسباب والمسبّبات :
فَقَدْ كَذَّبُوا
أي : واستهزؤوا ، على أنّهم غير جديرين مطلقا بأن يحزن من أجلهم حزنا ما ، أو أن يشفق عليهم ، إذ المراد أنّهم كذّبوا جاحدين ، لا شاكّين ، ولا باحثين عن الحقّ بأناة وتفكّر ، بل قد دمغتهم الحجّة ، واستيقنت أنفسهم أنّ محمّدا صادق فيما يبلّغ عن ربّه ، فهم كافرون كفرا إراديّا يسترون به الحقّ الّذي استيقنوه ، ويجادلون بالباطل ويعلمون أنّهم مبطلون ، ويستخدمون وسيلة الاستهزاء لتضليل جماهيرهم ، والتّغشية على بصائرهم . قول اللّه تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ
( 7 ) : الواو العاطفة هنا بعد همزة الاستفهام عطفت على محذوف يمكن إدراكه واستخراجه بالتفكّر المتأنّي ، أي : ألم يشهدوا آيات اللّه الكثيرة في كونه ، ونعمه الّتي لا يستطيعون إحصاء مفرداتها ، ولم يروا بأفكارهم وقلوبهم ناظرين بأعينهم إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كلّ زوج كريم ، إنعاما منّا عليهم ورحمة منّا بهم . والاستفهام فيه معاني التلويم والتثريب والتوبيخ ، وقد عنى اللّه بالخطاب هنا المكذّبين المستهزئين ، الذين يدور الحديث في هذا الدرس حولهم ، مع الإعراض عنهم ، في مقابل إدبارهم وتوليهم ، وجحودهم الذي يعاندون به الحقّ مع استيقان أنفسهم وقلوبهم به . وقد ذكرت أنّ الواو عاطفة على محذوف مطويّ في مثاني دلالات الآية ، إذ دلّتني الاستعمالات القرآنيّة على أنّ كلّ حروف العطف يمكن أن