الصّيرورة ذات الاستمرار ، ونظائر هذه الدّلالة لفعل « كان » كثيرة في القرآن المجيد . أي : وصار أكثرهم مرضى القلوب متحجّرين غير ذوي قابليّة لأن يؤمنوا مستقبلا ، فهم ذوو حالات ميؤوس معها من أن يؤمنوا مستقبلا عن طريق إراداتهم الحرّة .
ولأمراض قلوب النّاس أمارات تدلّ عليها في ظواهر سلوكهم ، فكيف بالخالق العليم المطّلع على كلّ الظّواهر ، وعلى ما في القلوب والنفوس والضّمائر من سرائر .
فعبارة :
وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
أي : مستقبلا ، تفسّر تفسيرا تدبّريّا بأن نقول : وصار أكثرهم غير ذوي قابليّة لأن يؤمنوا .
استعمل اسم الفاعل
مُؤْمِنِينَ
في مكان الفعل المضارع « يؤمنون » الدّال على الحال والاستقبال .
أمّا الّذين لديهم منهم قابليّة لأن يؤمنوا مستقبلا فهم أقلّهم . ومن هؤلاء الأقلّ الّذين آمنوا من كبراء مشركي مكّة بعد نزول سورة ( الشعراء ) والّذين آمنوا منهم بعد هجرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة ، والذين آمنوا منهم يوم فتح مكّة وبعده ، كأبي سفيان بن حرب .
وأوعد اللّه الكافرين المكذّبين المعانين المصرّين على الباطل ، بعقاب يجريه بعزّته الغالبة ، وأشار إلى هذا الوعيد بذكر اسمه « العزيز » .
وأطمع الّذين لديهم قابليّة لأن يؤمنوا ويسلموا ويتّبعوا الحقّ الّذي جاءهم من ربّهم ، بمغفرة وبثواب يجريه لهم برحمته ، وأشار إلى وعده الكريم بذكر اسمه « الرّحيم » .
فقال اللّه عزّ وجلّ خطابا للرّسول ولكلّ متلقّ للخطاب من بعده .
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
( 9 ) .