إعطاء الجانب ، عرض الشيء في اللّغة جانبه ، وعارضا الإنسان صفحتا خدّيه .
وجاء وصفهم بالإعراض هنا مع أنّهم مدبرون عن الدّين كلّه ، وعن كلّ دعوة تتّصل به ، للدّلالة على أنّهم إذا تليت عليهم آيات منزّلات تنزيلا محدثا سمعوها ، وهم معرضون عن مقابلة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم بوجوههم ، إشعارا بأنّهم غير عابئين بها ، ولا يعنيهم أن يسمعوها .
فأبان اللّه لرسوله بهذه الآية ، أنّ الّذين يحزن من أجلهم حزنا شديدا من شأنه في نظام الأسباب والمسبّبات أن يكون قاتلا ، قد وصلوا إلى دركة ميؤوس معها من إيمانهم وإسلامهم عن طريق إراداتهم الحرّة ، فهم غير جديرين بهمّه وغمّه وحزنه من أجل نجاتهم من عذاب النار ، وسعادتهم في جنّات النعيم .
والمعنى : راقبهم وأنت تتلو عليهم ذكرا محدثا تجد أنّهم يسمعونه وهم عنك معرضون ، إشعارا بأنّهم غير عابئين ولا مكترثين .
وزاد حالهم سوءا إبّان نزول سورة ( الأنبياء / 21 مصحف / 73 نزول ) إذ جاء فيها قول اللّه عزّ وجلّ بشأنهم :
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ( 1 ) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 2 ) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ .
أي : يتظاهرون بأنهم مشغولون عنه باللّعب مع أنّهم يستمعونه ، لكنّهم يجحدونه ، ويجحدون ما جاء فيه ، ويجحدون نبوة الرّسول ورسالته ، فقلوبهم لاهية عنه .
قول اللّه تعالى :
فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
( 6 ) :