أي : فقد كذّبوا الرّسول ، وكذّبوا بالقرآن ، وبأنباء الوعيد الّتي جاءت فيه ، ومنها الوعيد بانتصار الرسول والّذين آمنوا به واتّبعوه عليهم ، في زمن غير بعيد ، واستهزؤوا بهذه الأنباء ، إذ يرون الرّسول والمؤمنين به ضفعاء مضطّهدين ، لا قوّة لهم على مواجهة قوى كبراء مكّة ذوي السّلطان والغنى والأتباع والأنصار الكثيرين بالنّسبة إلى جماعات المؤمنين المسلمين .
وتدبّر هذه الآية بعمق يكشف أنّ فيها حذفا من الأوائل تدلّ عليه الأواخر ، وحذفا من الأواخر تدلّ عليه الأوائل ، وهو ممّا يسمّى عند البلاغيّين « الاحتباك » والتقدير :
فقد كذّبوا واستهزؤوا بأنباء الوعيد الّتي جاءت في القرآن ، ومنها انتصار المؤمنين عليهم في زمن قريب ، فسيأتيهم قريبا ( بدليل استخدام حرف « السّين » ) تحقيق أنباء ما كانوا به يكذّبون ويستهزئون بتكرار متجدّد حينا فحينا .
أَنْبؤُا :
أي : أخبار ، مفردها « نبأ » وهو الخبر البارز الظّاهر ذو الشّأن المهمّ الرّفيع .
الإنباء : الإخبار والإعلام ، يقال لغة « أنبأه ، ونبّأه الخبر وبالخبر » أي : أعلمه به ، ويستعمل النّبأ كثيرا في الخبر ذي الخطر والشأن المثير للعناية به ، لأنّ أصل مادّة الكلمة يدور حول الارتفاع والظّهور .
وكلّ خبر له دلالة في الإدراك الذّهنيّ ، وله تعلّق بواقع يطابقه إن كان صادقا ، ولا يطابقه إن كان كاذبا .
وإتيان النّبأ أو الخبر الصّادق بالنّسبة إلى تعلّقه بالواقع المستقبليّ ، يكون بتحقّق وقوعه على وفق الصّورة الّتي قدّمها للإدراك الذهنيّ .
وعبارة :
فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
يراد بها الواقع المطابق للصّورة الّتي قدّمها للإدراك الذّهني ، هذا في التحليل الفلسفي .