تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 567

مساهمون:

ص٥٦٧
ثمّ لمّا لم يستطع أن يصرف مشاعر حزنه على قومه ، ورأى أنّ التّوجيه الرّبّانيّ إرشاد لا تكليف ، كان من الحكمة التّربويّة الرّبّانيّة أن ينزل اللّه عليه قوله في سورة ( الكهف / 18 مصحف / 69 نزول ) :
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً
( 6 ) .
عَلى آثارِهِمْ :
أي : وأنت سائر على آثارهم تحرص على هدايتهم وتحزن من أجلهم ، وهم موغلون في الابتعاد عن صراط الحقّ والهدى الذي تدعوهم إليه ، فلا ترى إلّا آثارهم ، إذ أدبروا وتولّوا تائهين في أودية الضلال والفسق والفجور .
أَسَفاً :
أي : حزنا . والمراد
بِهذَا الْحَدِيثِ
آيات القرآن .
إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ
( 4 ) . دلّت هذه الآية على أنّ نفس الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم تطلّعت ، راغبة في أن ينزّل اللّه عزّ وجلّ من الآيات المادّيّة ، ما يجعل من هو حزين من أجلهم يؤمنون ، حرصا على نجاتهم من عذاب اللّه ، وسعادتهم الأبديّة في جنّات النّعيم ، دون أن يسأل ربّه ذلك بدعاء ظاهر أو خفيّ . لكنّ حكمة اللّه العليم بخفايا نفوسهم وقلوبهم اقتضت عدم تلبية هذه الرّغبة النّبويّة ، فلم يشأ أن ينزل عليهم من السّماء آية تلجئهم إلى الإيمان إلجاء ، إذ الحكمة في امتحانهم في ظروف الحياة الدّنيا ، تقتضي أن تدفعهم عقولهم وضمائرهم وإراداتهم الحرّة إلى الإيمان بربّهم وبما جاءهم عنه ، وإسلامهم لأوامره ونواهيه طائعين مختارين ، لا مكرهين ، ولا ملجئين إلجاء بمخاوف مادّيّة ، كما فعل اللّه عزّ وجلّ ببني إسرائيل ، إذ رفع فوقهم الطّور وتوعّدهم بإلقائه عليهم ، وقال لهم :
خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
( 63 ) . البقرة .
إِنْ نَشَأْ :
كلّ ما جاء في القرآن من مثل هذه العبارة ، فهو يدلّ