وقد دلّ هذا البيان على أنّ من نظام الأسباب والمسبّبات الرّبّانيّة في النّاس ، أنّ شدّة الهمّ والغمّ والحزن ، قاتلة للنّفوس قتلا باخعا ، فاصلا للأرواح عنها فصلا سريعا ، لا على سبيل الموت البطيء كالعشق ، بل هو كالذّبح إلى أقصى الرّقبة .
وقد سبق في نجوم التّنزيل أن خاطب اللّه عزّ وجلّ رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله له في سورة ( فاطر / 35 مصحف / 43 نزول ) :
. . . فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ
( 8 ) .
وفي القراءة الأخرى :
[ . . . فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إنّ اللّه عليم بما يصنعون ] .
حَسَراتٍ :
جمع « حسرة » وهي شدّة التّلهّف والحزن .
أي : فلا تحزن من أجل الذين كفروا من قومك ، خوفا عليهم من عذاب ربّهم ، فهم في حياة ابتلاء وامتحان ، وإنّ اللّه عليم بما يصنعون لحظة فلحظة ، والحزن من أجلهم يخالف مقتضيات حكمة اللّه ، إذ قضى وقدّر أن يمتحن عباده ، فيكشف بالامتحان أحوال نفوسهم ، وما تختار باختيارها الحرّ من خير أو شرّ ، ومن اختار بإرادته الحرّة الباطل والشّرّ ، فعليه أن يتحمّل هو وحده نتيجة اختياره .
وسبق لدى تدبّر هذه الآية في أثناء تدبّر سورة ( فاطر ) شرح مناسب وبيان مستفيض حولها ، فليرجع إليه .
ولمّا كانت عاطفة الرّسول نحو قومه شديدة في الخوف عليهم من عذاب النّار يوم الدّين ، ورأى أنّ التوجيه الذي جاء في سورة ( فاطر ) توجيه إرشادّيّ ، فقد بقي يشعر بالحزن الشّديد من أجلهم .
فاقتضت الحكمة التربويّة أن ينزل اللّه عليه حول هذا الموضوع ما تدبّرناه آنفا من سورة ( الشعراء / 26 مصحف / 47 نزول ) .