بيد أنّه سيأتي في القرون اللّاحقة لزمن التّنزيل ، باحثون علميّون يكتشفون عظمة مواقع النجوم من آيات اللّه في كونه ، وهؤلاء يلائم حالهم أن يقسم اللّه لهم بمواقع النجوم ، على أنّ القرآن تنزيل من لدنه ، وأنّ كلّ ما جاء فيه من أنباء حقّ وصدق ، ولا سيما أنباء الجزاء ، ويوم الدين ، وما سوف يجري فيه من أحداث .
وإذ اجتمع الاقتضاءان المتعارضان ، كان الحلّ المناسب مع الحرص على الإيجاز في التعبير ، ذكر القسم والمقسم به ، والمقسم عليه ، مع سبق كلّ ذلك بأداة النفي « لا » .
فالّذين لا يؤثّر فيهم القسم ، ولا يقع في نفوسهم موقع المؤكّد يخاطبون بالنفي .
والّذين يؤثّر فيهم هذا النوع من القسم يجدون في ذكره منفيّا تنبيها لهم على عظمة المقسم به ، ويدركون أنّ المقصودين بنفي القسم الجاهلون بعظمة مواقع النجوم ، الّذين لا يتأثّرون بالتّوكيد به .
وهذا الحلّ الموجز البديع ، قد جمع بين القسم لمن يؤثّر فيه ، وعدم القسم بالنّسبة إلى من لا يؤثّر فيه .
ونمثّل لهذا الأسلوب - وللّه المثل الأعلى - بقول المحبّ لمحبوبه الهاجر له : أنا لا أحلف لك بأنّني أحبّك كثيرا ، ومشتاق إلى لقياك ، وأسهر اللّيالي الطّوال أنظم في التعبير عن حبّي وشوقي روائع القصائد ، لأنّك غير عابىء بكلّ ما أجد نحوك .
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ
( 75 ) : جاءت الفاء تفريعا على ما جاء في الدّرسين : ( الأول والثاني ) من دروس السّورة ، وما تضمّناه من بيان قرآنيّ عن الجزاء الرّبّانيّ ، وعن يوم الدّين ، ضمن خطّة التكوين الّتي قدّرها اللّه عزّ وجلّ وقضاها ، وأبان لنا منها في القرآن الكريم لقطات ذوات شأن .