وأقول :
« إنّ عبارة :
فَلا أُقْسِمُ
ونظائرها أسلوب بيانيّ قرآنيّ مبتكر ، للدّلالة على أنّ الموضوع مع حال المخاطب يقتضي اقتضاءين متعارضين :
( 1 ) أحدهما يستدعي البيان فيه القسم المؤكّد للخبر الذي يؤتى بالقسم لتأكيده .
( 2 ) والآخر يستدعي البيان فيه عدم القسم .
فكان الحلّ المبتكر في أساليب البيان القرآنيّة اختيار أسلوب ذكر لفظ القسم والمقسم به تنبيها عليه ، مع سبقه بأداة النفي « لا » .
فالجانب الذي اقتضى القسم روعي حاله بذكر القسم والمقسم به ، تنبيها على ما في المقسم به من تأكيد أو حجّة هادية إلى أنّ الموضوع الّذي يراد تأكيده حقّ وصدق .
والجانب الّذي اقتضى عدم حصول الفائدة المرجوّة من القسم ، روعي حاله بنفي القسم بأداة النّفي « لا » .
فقول اللّه عزّ وجلّ :
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ
( 75 ) مع ملاحظة أنّ الموضوع المراد تأكيده كون القرآن كريما ومنزّلا من ربّ العالمين ، يكشفان الاقتضاءين المتعارضين :
فالمخاطبون يجحدون كون القرآن منزّلا من ربّ العالمين ، خالق السّماوات والأرض ، وما فيهما ومن فيهما .
ومواقع النّجوم في السّماوات من آيات اللّه العظيمات ، وهي أهل لأن يقسم اللّه بها .
لكنّ المعنيّين الأولين بالخطاب لم تصل بعد مداركهم العلميّة إلى معرفة عظمة مواقع النجوم ، حتّى يكون القسم بها يفيد بالنسبة إليهم توكيدا .