تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
وتدبّر بقية الآية يقاس على نظيرتها السّابقة لها . قول اللّه عزّ وجلّ :
وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ( 10 ) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ
( 11 ) : في هاتين الآيتين بيان للصّنف الثالث من عباد اللّه يوم الدّين ، وهم السّابقون المتقدّمون المتفوّقون من أصحاب اليمين ، يفرزهم اللّه عزّ وجلّ منهم ، ويميّزهم ويجعلهم سابقين في الصفوف الأولى من المؤمنين المسلمين المتقين ، وسبقهم يكون باستكثارهم من فعل الخيرات والصالحات والقربات من أعمال مرتبة « البرّ » وأعمال مرتبة « الإحسان » ابتغاء مرضاة اللّه عزّ وجلّ ، والتقرّب إليه جلّ جلاله وعظم سلطانه ، وهذه الأعمال الظاهرة أو الباطنة ليست من فعل الواجبات وترك المحرّمات ، بل هي من نوافل العبادات والقربات ، بفعل المندوب إلى فعله دون إلزام ، وترك المندوب إلى تركه دون إلزام . يقال لغة : « سبق الفارس القافلة » أي : تقدّمها فصار قبلها في المسير . « وسبق الفرس » أي : جاء قبل الأفراس في الحلبة . ويقال : « سبق فلان على قومه بالعلم أو بالجود والكرم » أي : تفوّق عليهم بذلك . فالسّابقون : هم المتفوّقون المتقدّمون على سائر المؤمنين المتقين . وجاء تكرير وصفهم بالسّابقين فقال اللّه عزّ وجلّ :
وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ
( 10 ) للإشعار بالثّناء عليهم بالتّفوّق والتّقدّم إلى الصّفوف الأولى . وبما أنّ أعمالهم التسابقيّة كانت في اتّجاه التقرّب إلى اللّه بفعل الصالحات الّتي ترضيه جلّ جلاله ، كان من مكافأتهم عند ربّهم أن يثني عليهم بقوله :
أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ
( 11 ) أي : أولئك رفيعو المنازل هم المقرّبون عند ربّهم ، ثوابا لهم على سبقهم بصالحات أعمالهم . وقد جاء في الحديث القدسيّ الصحيح : « إذا تقرّب العبد إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا ، وإذا تقرّب إليّ ذراعا تقرّبت منه باعا ، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة » .