تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
عقابين مرتّبين على إعراضه عن الذكر بعد أن آمن به عالما بما جاء فيه من هدى . العقاب الأول : أن يجعل له معيشة ضنكا في الحياة الدنيا . الضّنك : الضيق في كلّ شيء ( يستوي فيه المذكّر والمؤنّث ) تقول لغة : « عيش ضنك ، ومعشة ضنك » أي : ضيّقة لاسعة فيها ، وقد يكون ضيقا نفسيّا ، ولو كان المضيّق عليه ذا سعة من المال . وقد يأتي هذا الضّنك من أهله وأسرته وأولاده ، أو من وسائل كسب رزقه ، أو من أمراض وأوجاع تتراكب عليه ، أو من غير ذلك . العقاب الثاني : أن يحشره اللّه يوم القيامة بعد البعث أعمى ، نظير حشر الكافرين عميا ، لمشابهته لهم في أعمالهم ، دلّ على هذا قول اللّه تعالى :
وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى
مع أنّه لم يكن في الدّنيا أعمى ، أي : كافرا . وهنا في موقف الحشر ، يسأل ربّه :
قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً
( 125 ) ؟ . جاء في هذه العبارة استعمال الفعل الماضي
قالَ
للدّلالة على تحقّق الوقوع يوم الدّين . أي : يقول : ربّ لم حشرتني أعمى كالكافرين ، وقد كنت بصيرا ، أي : مؤمنا غير كافر .
قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها :
أي : فعلنا بك مثل ذلك الّذي كان منك في الحياة الدنيا ، إذ إنّك مع كونك مؤمنا بي ، ومؤمنا بالهدى الّذي أنزلته ، لم تتبع هداي الّذي أمرتك بأن تتبعه ، ولم تعمل بما أمرتك أن تعمله ، ولم تنته عمّا نهيتك عن