رسل اللّه ربّهم ، وتكذيبهم بالذّكر الّذي أنزله على رسله لهدايتهم ، فلم يهد لهم تاريخ الأمم كم أهلكنا قبلهم من القرون الّتي كذّبت وكفرت .
ضمّن فعل « يهدي » معنى فعل « يبيّن » فعدي تعديته ، فأغنت الجملة عن جملتين . والتقدير : أو ما هدى تاريخ الأمم السالفة مبيّنا لهم سنّة اللّه في الانتقام من الكفرة المكذّبين بالإهلاك العامّ الشامل ، إذا وصلوا إلى حالة ميؤوس منها ، واقتضت الحكمة إهلاكهم إهلاكا جماعيّا . أو أو ما هدى اللّه مبيّنا لهم سنّته في الانتقام ، والفاعل اللّه دلّت عليه القرائن .
إنّ تكرار إجراء هذه السّنّة الرّبّانيّة في الأمم السّالفة ، مع التذكير بها فيما جاء به المرسلون ، ثمّ فيما نزل في القرآن المجيد ، ومع التّنبيه عليها بصريح العبارة في مناسبات كثيرات ، من شأنه أن تحصل به قناعة تامّة بثبات هذه السّنّة لدى الأمم الحاضرة إبّان تنزيل القرآن ، والأمم الّتي ستأتي بعدها ، قياسا عليهم .
. . . كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ . . .
( 128 ) .
« كم » اسم يقع على العدد بمعنى « كثير » وتسمّى : « كم الخبرية » .
ولإبهامها ودلالتها على مجهول الجنس والمقدار ، كانت مفتقرة إلى التمييز ، والمميّز هنا :
مِنَ الْقُرُونِ .
و « كم » في موضع نصب بفعل
أَهْلَكْنا
أي : أهلكنا كثيرا من القرون .
الْقُرُونِ :
جمع « القرن » والقرن من النّاس أهل زمان واحد .
يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ :
أي : يمشي هؤلاء المعنيّون بالبيان في مساكن المهلكين السّابقين ، والجملة حاليّة .
. . . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى
( 128 ) : أي : إنّ في ذلك الإهلاك الشامل لمكذّبي القرون السّابقة ، لعلامات ذوات دلالات واعظات لأصحاب العقول الواعية المستنير الدّرّاكة لدلالات آيات اللّه .