تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
مسرعين إلى جهته ، بذلّ وخضوع ، يمدّون أعناقهم ويخفضون رؤوسهم ، وينظرون بذلّ وانكسار نحو الأرض ، ويغضّون من أجفانهم . ودلّ قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( طه ) :
يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ . . .
( 108 ) على أنّ الدّاعي لا عوج له في تصرّفاته ، وعلى أنّ اتّباعهم له لا عوج له ، أي : فهم لا يزيغون عن خطّ اتّباعهم للدّاعي كما يأمرهم ، فتكامل النّصّان في بيان الصّورة المراد بيانها ، والمعاني المراد الدلالة عليها . القضيّة الثالثة : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ في هذا الدّرس :
. . . وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً
( 108 ) : الخشوع : يأتي في اللّغة بمعنى : « الخضوع » وبمعنى : « الخوف » وبمعنى : « السّكون » . وعدم ظهور أصوات النّاس لازم من لوازم خشوع قلوب أصحابها ، فالخاضع ، الخائف ، السّاكن ، يكون صامتا بطبعه ، وإذا أراد أن يتكلّم مع جار له في موقفه ، فإنّه يكلّمه همسا ، أي : بكلام خفيّ وصوت خافت لا يكاد يسمع ، أو لا يكاد يفهم المراد به . الهمس في الكلام : النّطق به بصوت خفيّ لا يكاد يفهم . ويقال : همس الشيطان ، أي : وسوس . فالهمس يكون بأخفى صوت يمكن أن يدرك به المهموس إليه السّميع مراد المتحدّث بكلامه . فدلّ هذا البيان على أنّ النّاس إذا دعاهم الداعي إلى موقف حسابهم ، يسيرون صامتين ، وإذا اشتد عند أحدهم الدافع إلى محادثة جاره ، فإنّه يكلّمه همسا في أذنه .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 326 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني