فرعون في دعوته إلى دين اللّه خلال مدّة طويلة من السنين ، أمهله اللّه فيها إمهالا قطع فيه كلّ أعذاره ، أدبر عن الاستجابة لدعوة رسول ربّه ، فأعطى بإدباره غاية الرّفض لها ، ولم يكتف بالإعراض الذي هو وسط بين الإقبال والإدبار .
ثمّ لم يكتف بمجرّد الإدبار ، بل أدبر حالة كونه يسعى في تدبير معارضة آية موسى الكبرى ، بمفتريات سحريّة يأتي بها سحرة مصر .
وأعلن بوقاحة بالغة أنّه هو إله شعب مصر ، وإله الإسرائيلين أيضا .
ولمّا خاب سعيه في معارضة معجزة موسى بسحر سحرة مصر ، صار يسعى في اضّطهاد من آمن بموسى ، ولو كان من بني إسرائيل .
ثم عرض على مجلس وزرائه ومستشاريه في قصره أن يقتل موسى بسرّيّة ومفاجأة تمنع موسى من أن يدعو ربّه ، إذ كان فرعون مستيقنا في نفسه ، من أنّ موسى رسول ربّ العالمين الذي يستجيب دعاءه إذا دعاه .
ثمّ نفخ في رأسه جنون العظمة وحبّ العلوّ في الأرض ، فادّعى أنّه هو الرّبّ الأعلى في مصر ، دلّ على هذا :
قول اللّه عزّ وجلّ :
فَحَشَرَ فَنادى ( 23 ) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
( 24 ) :
أي : فجمع الجموع من المصريين والإسرائيليّين ، وساقهم وأعدّ احتفالا عظيما حاشدا ، جرت فيه المراسيم الملكيّة الفرعونيّة ، وقام في الجمع ملقيا خطاب العرش ، فنادى بأعلى صوته بعد المقدّمات الّتي أبان فيها إنعاماته على شعبه قائلا :
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
الّذي يقدّم لكم الأرزاق ، وييسّر لكم مصالح حيواتكم ، ويفعل ويفل معدّدا مآثره ، ولا ربّ لكم غيري ، فجعل نفسه ندّا للّه في ربوبيّته .