ولدى مراجعتي لأسفارهم وجدت الحديث عنها مدوّنا في سفر الخروج ، في الإصحاحات : « السّابع - والثامن - والتاسع - والعاشر » .
إِذْ جاءَهُمْ :
أي : إذ جاءهم موسى عليه السّلام بكلّ الآيات التّسع ، وليس المراد إذ جاءهم أوّل قدومه من مدين ، بعد مكالمة اللّه له عند جبل الطور حاملا رسالة ربّه ، بدليل قول اللّه عزّ وجلّ في النّصّ :
فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً
( 101 ) إذ جاء هذا القول معطوفا بالفاء الّتي تدلّ على الترتيب مع التعقيب ، وهذا التعقيب لم يكن إلّا بعد إجراء الآيات التّسع كلّها في مصر ، طوال عدّة سنين .
أي : إنّ جرأتك يا موسى علينا بوصفك رجلا من رعيّتنا ، إذ تقابلنا بندّيّة ، لا تكون إلّا من إنسان فاقد لوعيه ، غير مدرك لقدرتنا على قتله في أيّة لحظة ، وفقد الوعي هذا بعد أن ثبت لنا أنّك غير مجنون طوال قيامك بدعوتك في مصر ، وإجرائك السّحريّات الكبرى الّتي تسمّيها آيات بيّنات من ربّ العالمين ، وهي التّسع الّتي أجريتها ، فهذه الجرأة النّدّيّة لا تكون إلا من إنسان مسحور ، فاقد لوعيه الإراديّ ، بتأثير السّحر ، غير مقدّر للعواقب الوخيمة التي يعرّض نفسه لها ، إذ يواجه ملكا قادرا على الانتقام منه بجرأة مستنكرة جدّا .
أقول : إنّ فرعون لولا خوفه على نفسه من آيات موسى الخوارق ، ولولا يقينه بأنّ ما جاء به حقّ من ربّه وليس سحرا ، لما تردّد في قتل موسى ، ولما تأخّر لحظة واحدة عن تنفيذ ذلك .
قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ . . .
( 102 ) :
أي : ليس صبرك عليّ مبنيّا على اعتقادك بأنّي مسحور ، بل لأنّك موقن في قرارة نفسك بأنّه ما أنزل هذه الآيات التّسع إلّا ربّ السّماوات والأرض ، الّذي بيده ملكوت كلّ شيء ، وهو القدير على ما يشاء بأمر