خلقهم وأبدع إيجادهم على نظام الفطر ، من العمق الباطن الذي يحتوي خريطة وجودهم وصفاتهم ، إلى الظاهر المطابق تماما لما في الخريطة المستقرّة في العمق ، فهو جلّ جلاله وعظم سلطانه الذي خلقهم بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا ، وجعل الحياة الدّنيا مرحلة قصيرة جدّا للامتحان ، وجعل الآخرة الحياة الخالدة ، التي يكون فيها الحساب وفصل القضاء ، وتحقيق الجزاء .
( ج )
فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا :
أي : فأمض بأمرك ما أنت قاضيه علينا ، فإنّه لا يزيد على إنهاء هذه الحياة الدّنيا ، بأن تأمر بتعذيبنا حتّى موتنا .
[ فَاقْضِ ] :
أي : فأمض ، القضاء : هو في اللّغة إمضاء الشّيء وإنهاؤه وإتمامه ، إرادة ، أو قولا ، أو فعلا ، أو غير ذلك .
( د )
إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ :
أي : واعلم يا فرعون أنّنا آمنّا بربّنا فاطرنا ، ليغفر لنا بإيماننا ما سلف من خطايانا ، ويظهر أنّ هذه الحقيقة الدينيّة قد تعلّموها من موسى وهارون عليهما السّلام ، بعد الموقفين السابقين أمام فرعون .
فأعلموا فرعون بأنّ الإيمان بعد كفر يجبّ الآثام السابقة الّتي كانت في جنب اللّه ، فهم مطمئنّون بأنّ اللّه عزّ وجلّ سيغفر لهم خطاياهم السّابقة الّتي ارتكبوها . ومن هذه الخطايا ما أكرههم عليه من السّحر ، إذ جلبهم بالقسر من مختلف المدائن المصرية ، وفرض عليهم أن يعدّوا وسائلهم السّحريّة لمباراة آية موسى المعجزة ، وفرض عليهم أن يمارسوا كفريّات وشركيّات لاستخدام كفرة الجنّ ومردتهم ، لمساعدتهم في أعمالهم السّحريّة .
( ه )
وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى :
أي : وإذا كنت تطمعنا بخيراتك إذا عدنا