تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
ولا بدّ أن يكون السّحرة قد نفوا عن أنفسهم هذه التّهمة ، وأنّهم أسرّوا النجوى لإعداد خططهم سرّا ، حتّى لا يبلغ موسى شيء من ترتيباتهم ، فيعدّ أعمالا سحريّة مضادّة لها . وكان فرعون حريصا على أن يستبقي السّحرة قوّة معنويّة لنظام حكمه ، وقوّة معنويّة لملّته ، ولملّة القبط السائدة في مصر حينئذ ، إذ اتّخذ نفسه فيها إلها مطاعا في كلّ شيء ، فأبعد أجل ما توعّدهم بكلام دلّت عليه عبارة :
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
أي : وبعد إمهالكم مدّة يكون عقابي فوريّا إذا لم تتوبوا أو لم ترجعوا إلى ملّتي وطاعتي . كلمة « سوف » تستعمل غالبا للتّأجيل الطويل ، أو لما هو في حكمه ، بخلاف « السين » فإنّها تستعمل غالبا للتأجيل القصير ، أو لما هو في حكمه « 1 » . وغرضه من هذا التأجيل الذي فيه فسحة مطوّلة ، أن يتراجعوا ويعلنوا توبتهم ، وعودتهم إلى ما كانوا عليه ، أنصارا وقوّة معنويّة لفرعون ، ولدينه ، ولنظام حكمه الإداري . وجاء توعّده بعبارة :
لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ
( 124 ) ، أي : إن لم تتوبوا وترجعوا إلى حظيرتي . تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف يكون بقطع اليد اليمنى والرّجل اليسرى ، أو بقطع اليد اليسرى والرّجل اليمنى ، وهذا النوع من التشويه العقابيّ في الأعضاء أخفّ ضررا من قطع اليمنى من كلّ منهما ، أو اليسرى من كلّ منهما ، لأنّ السّالمة تعين المقطوعة من جهتها . وزاد فرعون في توعّده وتهديده ، فأعلن لسحرته أنّه سيتركهم مقطّعي الأيدي والأرجل من خلاف زمنا يعذّبون فيه ، ثم ليصلّبنّهم أجمعين ،
هامش
( 1 ) هذا ما توصّلت إليه عن طريق استقراء النصوص القرآنية .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 183 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني