وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا :
وَما تَنْقِمُ مِنَّا :
أي : وما تنكر علينا وما تكره منّا . يقال لغة : « نقم الشّيء ينقمه ، ونقمه ينقمه » ، أي : أنكره وكرهه .
والمعنى : أنت تعلم يا فرعون أنّنا لم يكن منّا مكر في المدينة مع موسى ، وإنّما أنكرت وكرهت منّا أنّنا آمنّا بآيات ربّنا لمّا جاءتنا ، وخشيت أن يكون إيماننا سببا في إيمان شعب مصر باللّه ربّ العالمين ، وإسلامهم له ، وخروجهم عن الإيمان بملّتك ، وعن نظام حكمك .
وبعد هذا أعلن السّحرة التجاءهم إلى ربّهم داعين :
. . . رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ
( 126 ) :
أشعر السّحرة فرعون في هذا الدّعاء بأنّهم مصمّمون على موقفهم ، وأنّهم لن يتراجعوا ، وأنّهم مستعدّون لتحمّل ما توّعدهم به حتّى الموت ، فهم يسألون اللّه ربّهم أن يصبّرهم ، وأن يثبّتهم على الإسلام ، حتّى إذا جاءت مناياهم توفّاهم في آجالهم مسلمين .
والمعنى : ربّنا نسألك أن تفرغ علينا إناء واسعا كبيرا مملوءا بالصّبر ، حتّى يجلّلنا ، فنصبر على عذاب فرعون .
وربّنا نسألك أن تتوفّانا حالة كوننا مسلمين لك ، مستسلمين لأوامرك ونواهيك ، ومطيعين لك فيها .
جاء في هذه العبارة استعارة
« أَفْرِغْ عَلَيْنا »
للدّلالة على معنى : أنزل علينا . تشبيها للصّبر بماء بارد يطفئ حرارة التّعذيب ، فلا يكون معه شعور زائد بالألم ، وهذا الماء البارد موضوع في إناء واسع كبير مالئ له ، ويكون إنزاله إفراغا بسرعة تدفع حرارة التعذيب بسرعة ، ولا يكون على طريقة إلقاء قطرات فقطرات ، أو حفنات فحفنات .