تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
ويظهر لي أنّ الغرض الدّلالة على أنّ ما قاله موسى حقّ وصدق ، وأنّه تعبير عمّا أمره اللّه ببيانه للقوم ، بدليل أنّ اللّه عزّ وجلّ أكمله ببيان مضاف من عنده ، كشأن التلميذ حينما يقول قولا في مسائل علميّة بحضور أستاذه ، فيبادر الأستاذ فيضيف كلاما تكميليّا من عنده ، قاطعا حديث تلميذه قطعا مؤقّتا ، ليشعر مستمعي حديثه بأنّه موافق كلّ الموافقة على أقوال تلميذه في المسائل الّتي أبانها وشرحها ، وليشعرهم بأنّها بمثابة أقوال صادرة عنه شخصيّا ، وهذا فنّ قرآنيّ تكرّر في عدّة سور من القرآن المجيد . وليس مستبعدا أيضا أن يكون المراد بإيرادها بيانا مباشرا من اللّه عزّ وجلّ ، الإشعار بأنّ موسى عليه السّلام قد قال نظيرها بلسانه لفرعون وملئه ، فقال في عبارة لهم نحو ما يلي : الذي جعل لكم الأرض مهدا ومهادا وسلك لكم فيها سبلا ، وأنزل من السماء ماء فأخرج به أزواجا من نبات شتّى ، وأباح لكم أن تأكلوا منها ما يفيدكم وينفعكم ولا يضرّكم ولا يؤذيكم ، وأن ترعوا أنعامكم ، إنّ في ذلك لآيات لأولي العقول الحصيفة النظيفة المستنيرة ، من الأرض خلقكم ، وإلى الأرض يعيدكم فتكونون فيها أجزاء من ترابها ، ومن الأرض يخرجكم في حين آخر مرّة أخرى . وعلّق اللّه عزّ وجلّ عليها بقوله :
وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى
( 56 ) : أي : وكان من أمر فرعون بعد ذلك أنّنا أريناه آياتنا التّسع كلّها في سنين عديدة ، قبل أن نأمر موسى بالخروج ببني إسرائيل من مصر ، وقبل أن يتابعهم فرعون وآله وجنوده لقتالهم ، وقبل أن يتمّ في هذا الحدث فلق البحر لموسى وبني إسرائيل ، وعبور بني إسرائيل بقيادة موسى وهارون من مكان الفلق ، ومتابعة الجيش الفرعوني لهم بقيادة فرعون من مكان الفلق