فأجاب موسى عليه السّلام بما جاء بيان معناه في سورة ( طه ) أيضا :
قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى
( 52 ) :
أي : إنّ خلقهم أوّلا بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا ، قد كان مسبوقا بقدر وقضاء فيه تفصيل كلّ جزئيّة من ذواتهم وصفاتهم طوال رحلة حياتهم ، وهذا قد كان مشمولا بعلم اللّه الذي أحاط بكلّ شيء علما .
وبعد أن مرّوا رحلة امتحانهم في الحياة الأولى ، كان العلم الرّبّانيّ محيطا بكلّ ما كسبوا أو اكتسبوا من أعمال ظاهرة أو باطنة ، جسديّة أو نفسيّة .
فإعادتهم إلى الحياة الأخرى للحساب ، وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء هيّن عليه ، إذ يعيد خلقهم ويبعثهم إلى الحياة الأخرى ، كما بدأ خلقهم .
وإجابة موسى عليه السّلام قد تناولت من هذا الدليل جانب العلم الرّبّانيّ ، ليفهم فرعون ، وأذكياء ملئه لوازم هذا العلم من القدرة على الإعادة ، كما كانت القدرة على البدء ، وأمّا الحساب والجزاء فمن لوازم كون الرّبّ حكيما ، لا يجعل المسلم كالمجرم ، ولا المحسن كالمسيء .
وهذه الإجابة اشتملت على قضيّتين ، ويلزم من بيانهما عقلا قضيّة ثالثة :
القضيّة الأولى : أنّ علم القرون الأولى من البشر ، ما يتعلّق بإنشائها الأوّل ، وما يتعلّق بذواتها وصفاتها ، وما قدّمت من أعمال في رحلة الحياة الدّنيا ، مسجّل مدوّن في كتاب لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها ، دلّت على هذه القضيّة عبارة :
عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ .
وقد قرّبت لنا مكتشفات القرن العشرين ، عن طريق أدوات تسجيل