وبعد أن أجاب موسى عليه السّلام فرعون على ما قرّره به بشأن قتله للمصريّ انتصارا للإسرائيليّ ، وجّه موسى له الجواب على المنن الّتي امتنّ فرعون بها عليه ، وعلى إدانته له بأنّه من الجاحدين الذين لا يقابلون الإحسان بالشّكر ، بما دلّت عليه العبارة التالية من نصّ سورة ( الشعراء ) :
وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ
( 22 ) ؟ ! :
[ تَمُنُّها ]
: أي : تتحدّث بأنّك تفضّلت بها عليّ ، وتعتبرها من محامدك وإحساناتك .
أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ :
أي : أن جعلت بني إسرائيل عبيدا لك ولقومك ، بالقهر ، والغلبة ، وقوّة سلطانك .
والمعنى : أتلك الّتي ذكرتها من تربيتي وليدا فيكم ، وإقامتي فيكم ، كأحد أفراد قصركم ، تصلح لأن تكون نعمة على أحد من بني إسرائيل الّذين جعلتهم عبيدا لك ولقومك ، بالقهر والغلبة وقوّة السلطان ؟
أشار عليه السّلام إلى المنن الّتي امتنّ بها عليه فرعون باسم الإشارة الموضوع للمشار إليه البعيد ، للدّلالة على احتقارها بجانب الاستبعاد المسلّط على بني إسرائيل ، من قبل فرعون وملئه وسائر المصريّين .
وطوى موسى عليه السّلام في نفسه بيان أنّ المنّة لربّي الّذي أنقذني من القتل الذي فرضتموه على مواليد الإسرائيليين ، وأنا واحد منهم ، إذ وضعتني أمّي في التّابوت ، فأوصله ربّي إلى قرب شاطئ قصركم ، والتقطني من طرف النّهر بعض آلك ، وألقى محبّتي في قلوبكم ، وصرف نفوسكم عن قتلي مع من قتلتم من أبناء قومي ، إذ تصوّرتم أنّني سأنفعكم ، أو أن تتّخذوني ولدا من أولادكم بالتّبنّي .
تلك في الحقيقة ليست مننا مننتم بها عليّ على سبيل الإحسان ، وإنّما نظرتم فيها إلى مصالحكم ، مع مراعاة عواطف بعض آلكم ، الّذين ألقى ربّي محبّتي في قلوبهم .