بدأ موسى عليه السّلام بالإجابة على قتله المصريّ انتصارا لأحد أفراد قومه الإسرائيليّين ، فأبان أنّه قتله في الزّمن الّذي كان فيه من الضّالّين الجاهلين ، الّذين يندفعون مع أهوائهم وعصبيّاتهم وولاءاتهم القوميّة ، وفي الزّمن الّذي كان فيه خاضعا لمؤثرات مدرسة القصر الفرعونيّ النّفسيّة والاجتماعيّة والتّسلّطيّة ، وأبان أنّه لمّا علم بأنّ ملأ القصر يأتمرون به ليقتلوه ، فرّ منهم ، وخرج من مصر هاربا ، وأقام في مكان لا سلطان لحكّام مصر عليه حينئذ ، وأبان له أنّ اللّه ربّه وهب له حكما عقب فراره من مصر ، وأنّ اللّه ربّه جعله بعد ذلك من المرسلين .
دلّت على هذه الإجابة عبارة :
قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ( 20 ) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ
( 21 ) .
قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ
( 20 ) :
[ إذا ] : قالوا : هي هنا حرف جواب ، أي : نعم ، قد فعلتها في حال أنّي كنت من الجاهلين ، الذين لا يعرفون الكثير من الأمور الّتي فيها تفريق بين الحقّ والباطل ، والخير والشّرّ ، والصالح والفاسد .
الضّلال : يأتي في اللّغة بمعنى الجهل بالشّيء ، لخلوّ الذّهن من معرفته ، ومنه قول اللّه عزّ وجلّ لرسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في سورة ( الضّحى ) :
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى
( 7 ) ، وهذا المعنى هو المعنى المناسب هنا .
ولست أدري لما ذا لم يورد النحويّون احتمال أن تكون [ إذا ] هنا دالّة على الظّرفيّة ، وأن يكون التنوين عوضا عن مضاف إليه محذوف ، كما قالوا في نحو : « حينئذ » و « يومئذ » ، فهذا المعنى هو الأقرب خطورا في الذهن بحسب سوابق العبارة ولواحقها ، أي : فعلتها حينئذ وأنا من الضّالّين .